بين القائل نعم ولا .. مساحة واسعة للتفسير

مضينا نبدل بلدا ببلد أكثر مما نبدل حذاء بحذاء

المسرح الملحمي ذلك النتاج البرختي الذي حوَّل المسرح من مجرد حبكة الى سرد منطقي، جعلنا نحن المشاهدون ملاحظون دقيقيون لمجرى الاحداث، بل مشاركون فيها من خلال قدرته على إيقاظ الفعل الانساني لنا، واتخاذ القرارات الحاسمة لمجرى الصراع.

تلك الرؤية الثاقبة لما يجري في العالم، ويرغمنا ايضا على أن نكون جزءا اساسيا في صنع المواجة والوصول للغاية. تلك النقطة الحاسمة في التغير، ففيه يقف المشاهد خارجا لكي يعلل ويدرس تفاعل الحدث، باعتبار أن الكائن الانساني ليس حالة جامدة بل هو موضوع للبحث والاستقصاء، وقابل للتغير والتعديل في الموقف الحياتي.

وبغض النظر عن للخاتمة .. فهي مواكبة واعية لمجرى ما يحدث .. ولأنها مشاهد قائمة بحد ذاتها وليس متصلة بفعل درامي متسلل، فالمنحيات هي القاسم المشترك في الأعمال والثبات على ضرورة المعالجة باعتبار أن الانسان قائد فعلي لها.

والخلاصة البرشتية تقول إن المعضلات الاجتماعية هي التي تصنع الفكر من خلال العقل لا الشعور.. فيقول عن ذلك الزمن:

أي زمن هذا ..

الذي يكاد يُعد فيه الحديث عن الأشجار جريمة

لأنه يتضمن الصمت على العديد من الفظائع؟

بهذه الكلمات لخص برتولت بريشت مأساة جيله، وتراجيديا الشعر في زمن النكبات الانسانية بمعالجة مسرحية نالت الشهرة بالاستحسان والنقد.

وكان بريخت يردد على الدوام المقولة التالية: "لا شيء أهم من تعلم التفكير بشكل خام. فالتفكير الخام هو تفكير الرجال العظام". إن مسرح بريخت يهدف الى دفع المشاهد للتفكير.

والنص المسرحي الذي يقول نعم أو (القائل نعم) نص تعليمي كتبه بريخت للمسرح بين العامين 1929-1930 ونشر العام 1930، وقد اعتمد فيه على مسرحية النو اليابانية "تانيكو"، وهو عمل أوبرالي كتبه بريخت للتلاميذ في المدارس الثانوية الألمانية. وحينما عرض النص على خشبة المسرح، رفض الكثير من التلاميذ فكرته الأساس، واتهموه بالرجعية ومحاولة قتل الإنسان باسم الحفاظ على التقاليد الاجتماعية.

لذا هو تراجع في معالجة الخاتمة الانسانية للصبي، فتغير من الاستسلام الايجابي الى مواصلة الحياة بفعل الارادة الفردية والجماعية.

وفي النص المسرحي الذي يقول لا أو (القائل لا) اوبرا مدرسية تعليمية أيضا كتبها بريخت في العام 1930، ونشرها في العام 1931، بعد عروض (القائل نعم)، وهي مراجعة عبقرية للنص الأول، واستجابة أصيلة من مبدع فذ لنبض الناس واستشراف للروح الجديدة للعصر، وتطبيق متماسك للجدل الفلسفي الذي كان يقود فكره ووعيه الظاهر والباطن. بعد ذلك ظل النصان متلازمين في العروض وفي النشر الأدبي.

ولعل التفاوت الفكري بين مسرحية القاتل نعم ولا.. يبرز بشكل واضح في مشاهداتنا لطبيعية العمل المسرحي الملحمي لبرشت. ففي الاولى استسلام منطقي للقدر، باعتبار أن هناك غايات أنبل أخرى يحققها الغير. وأن الحياة مستمرة وستستمر بدون ذلك الصبي الذي أصبح سلما لنجاة والدته والاخرين.

ودعوته في القائل نعم أن يقتلوه ويخلصوه من الموت البطيئ فيها مبررات انسانية عدة. بينما في المسرحية الثانية هناك إصرار على أن يستمر الانسان بالتعاون مع المجموع في الوصول للغايات .. مهما كبرت أو عظمت التحديات.

"القائل نعم والقائل لا" في بنيته الحالية، نص تعليمي يعتمد على مقولة بسيطة ولكنها مهمة وأساسية هي: على المرء أن يفكر بطريقة مغايرة تبعا لكل حال يستجد. لكن هذه المقولة رغم بساطتها تحمل في طياتها الكثير من الصراع والجدل، فما بين (نعم) و(لا) برزخ بين عالمين.

لذا كانت المعالجة الواعية لبرشت للمسرحيتين فيها تغريب واضح .. لمعنين مختلفين وهدفين غير متناقضين.

واجمل ما لخص فيه ذاته والمجتمع. في هذه الرحلة المريرة حين قال:

"أنتم يا من ستعقبون الطوفان

الذي غمرنا

حينما تتحدثون عن إخفاقاتنا

تذكروا كذلك

الزمن الحالك

الذي أفلتم منه.

فقد مضينا نبدل بلدا ببلد أكثر مما نبدل حذاء بحذاء."

هناك مساحة متاحة توفرها لنا نصوص برشت المسرحية في أن تختار بين أفضل الاشياء.