تصوف البكتاشية.. خلطة شيعية سُنية

السند العقائدي لسلاطين آل عثمان

يعتبر بالم سلطان (1475-1516م) أهمّ خليفة لحاجي بكتاش ولي. وُلد بالم سلطان لأب بكتاشي في البلغار، وأم مسيحية، ومارس الوعظ والإرشاد هناك، ولما ذاعت شهرته أرسل في طلبه بايزيد الثاني، وولاّه شؤون تكية حاجي بكتاش بقيرشهر عام 1501، ومن خلال جهوده المستمرة، وتطويره للطريقة البكتاشية اعتبر المؤسس الثاني لها، إذ وضع أصولها وشرح مراتبها ودرجاتها ومراحل السلوك بالنسبة للمريدين، مما شجّع الكثيرين على الانتساب إليها، وأكسبها طابعًا مختلفًا عن عصر حاجي بكتاش.

عمل بالم سلطان بشكل جاد ومثابر لتطوير الطريقة وأكد أن (التصوف البكتاشي) هو الحبُّ الإنساني والعشق الإلهي، أن يحبّ الإنسان نفسه، ويعشق الله، لأن من يحب نفسه فإنه يحب الله، من خلال إيمانه بوحدة الوجود (الله – الطبيعة – الإنسان)! فالإنسان خليفة الله على الأرض، ومتى ما عرف الإنسان حقيقة نفسه، وصل إلى الحقيقة الكبرى وإلى أولى مراتب النجاح في حياته.

يشير بعض الباحثين إلى أثر والدة بالم سلطان في بعض أفكاره التي نادى بها، ويرجع البعض ما في البكتاشية من عقائد إلى أصول مسيحية، بناء على ديانة والدة بالم سلطان، فالأئمة الاثنا عشر يقابلهم في المسيحية الحواريون أو التلاميذ، وشكل التقديس لـ(الله، ومُحمّد، وعليّ) يقابله في المسيحية الثالوث، وبعض الأفكار التي سنلاحظها في تعاليم البكتاشية أو ممارساتها كالعزوبة والاعتراف للشيخ عن الخطايا، وما نُسب إليهم من تناول الخمر كطقس، هو من المشترك بين البكتاشية والمسيحية.

مع الانكشارية

في أواخر القرن السادس عشر سُمح لثمانية من شيوخ البكتاشية بالإقامة في معسكرات الانكشارية، وأقامت البكتاشية مع الفرقة التاسعة والتسعين في معسكرهم الجديد في إسطنبول، وكان رئيس هؤلاء الدّراويش بمثابة وكيل لشيخ الطريقة البكتاشية، وعكف هؤلاء الشيوخ على أداء الصلاة، وتلاوة القرآن، والدّعاء بنصر القوات العثمانية على الأعداء، وأن يجعل الدّولة مهيبة منيعة من كل غزو تتعرّض له. وكان هؤلاء الدّراويش البكتاشية يسيرون في المواكب الرسمية أمام أغا الانكشارية مرتدين الملابس الخضراء، وينادي رئيسهم بأعلى صوته: (كريم الله) فيرد عليه بقية البكتاشية في صوت واحد جهير: (هُو)، ولهذا أطلق على هؤلاء الدّراويش (هوكشان Hu-Kechan ) أي الصائحون بلفظ (هُو).

أثّرت البكتاشية تأثير واضحًا في جيش الانكشارية، وأصبحت مراسم البكتاشية ومصطلحاتها وعقائدها من المرتكزات الأساسية في تكوين هذا الجيش، بحيث لم يعد يمكن التفريق بين الاثنين، إلا من حيث صورة الشيخ البكتاشي والجند الانكشاري فحسب.

استمدت الانكشارية قوّتها من البكتاشية حتى إنّهم حينما أعلنوا العصيان والتمرد على السلاطين العثمانيين، آزرتهم الطريقة البكتاشية وكانت معهم، مما أدى إلى ضعف الدولة حتى جاء السلطان محمود الثاني وألغى هذه الطريقة وعصف بمعسكرات الانكشارية وأغلق التكايا عام 1826، كان التمرد والوقوف مع حركات الإضراب، سببًا في غلق التكايا، واستمر الوضع على هذه الصورة حتى إعلان الجمهورية في تركيا، وبعد تنفيذ القانون الخاص بإغلاق التكايا وإلغاء الطرق الصوفية في السادس من سبتمبر (أيلول) 1925 تم نفي صالح نيازي دده بابا من تركيا عام 1931، وعُيّن علي ناجي بايقال وكيلاً وخلفًا له، وبعد وفاته عام 1960، انتخب خلفاء الطريقة الدكتور بدري نويان دده بابا، وظل يشغل هذا المنصب إلى وقت قريب.

وبسبب بُعد الطريقة البكتاشية عن مناطق العمران، وإنشائها تكاياها في أماكن نائية، لم تعد تكاياها تدخل تحت رعاية وزارة الأوقاف التركية، واعتبر البعض أن عدم ضم مؤسساتها إلى وزارة الأوقاف، يشير إلى أن الحكومة التركية تنظر إليهم باعتبارهم مندرجين في عداد الطرق الخارجة على حدود الشرع والدين، فهم طائفة مبتدعة حادت عن الحق والصواب وتغيّر شأنهم من حال إلى حال.

معتقدات البكتاشية

نظم أحد الشعراء أدعية بكتاشية يقول فيها:

تعال أيّها العاقل تعال، ادخل القلب وتأمّل، إن العين ترى، والأذن تسمع، ويقولان للقلب: انظر وتأمل.

امض بالرأس إلى السّماء، واطرحه عند موطئ القدم.

إذا كنتَ صوفيًّا اشترِ ولا تبِعْ، ولا تخلط ما حلّ بما حرّم!

لا تحد عن الطريق المستقيم وانظر إليه.

تعاظمني كثير من الذّنوب والكرم منك يا إلهي، فانظر لعبدك العاجز يا غنيّ.

أنت مانح الروح ومانعها، أنت الأوّل والآخر.

يقدّم كثيرون في تأريخهم للبكتاشية مخالفة المعتقدات الإسلامية، والاستهانة بشعائر الإسلام، فلا صلاة مفروضة، ولا خمر محرّمة، وما حضّ عليه الشرع من الزّواج رغبوا عنه، وما أكده الدّين من نقاء التوحيد والابتعاد عن الشرك يخالفونه بالتّثليث(الله، محمد، علي) لكننا لا نجد -فيما بين أيدينا من مصادر- ما يجعل اختيار العزوبة فرضًا على المنتسب إلى الطريقة البكتاشية، ولعلنا نراه مسلكا اختياريا من خلال ما نقرؤه في التاريخ عن علماء عزّاب اختاروا عدم الزّواج للتفرّغ لعلومهم أو لممارستهم الطقوس والشعائر براحة بال وتفرّغ أكثر، ومما يجعلنا أكثر ارتياحًا أنه مسلك من المسالك، وليس فرضًا على أتباع الطريقة ازدياد عدد الطريقة، وتكوّنها من رجال ونساء، فتكاثر العدد لا يأتي إلا عبر الزّواج، ومما يرويه بعض البكتاشية في مذكراتهم كـ(الرملة البيضاء) لعصمت داوستاشي أن آباءهم وهم صغار كانوا يحرصون على أن يزوروا التكايا ويلقّنوا تعاليم البكتاشية.

كذلك فإننا نقرأ في رسالة (قايغوسز أبدال) عبدالله المغاوري (دفتر العشّاق) استهجانه لشرب الخمر والسّكر، وهو من رجال الطريقة، وشيخ التكية البكتاشية في القاهرة في وقته، فإن كان تناول الخمر يعد طقسًا من طقوس الطريقة، فلا أظن أن شيخها يعيب على أحد تناولها أو ينهى أتباعه عنها.

كيف تصبح بكتاشيًّا؟

نشأ إبراهيم الداقوقي في بيئة بكتاشية، واختلط ببعض الدّارسين من المستشرقين ممن تخصصوا في درس هذه الطريقة، كالروسية مليكوف، وفي كتابه العلويون (ص247) يشرح مراسم اعتماد المريد بكتاشيًّا، على النحو التالي: يصف الزّعيم الروحاني شيخ المشايخ الـ(36) لرابطة البكتاشيين العالمية (بدري نويان ده ده بابا) مدارج سلوك المريد، بعد إجراء مراسيم (المصاحبة) للدخول إلى الأبواب والمقامات، وصولاً إلى طريق الحقيقة فيقول: إن الخطوة الأولى لدخول المريد إلى الطريقة البكتاشية هي التوبة النصوح، التي لا يمكن الرجوع عنها، ليتحول إلى طفل بريء كما ولدته أمّه، ويبدأ الاحتفال بسؤال المريد من قبل الشيخ البكتاشي: هل فهمت النصائح كافة؟ هل قبِلتها؟ ويجيب المريد ثلاث مرات بالإيجاب والقبول، ثم يؤمر بالسجود أمام المرشد الذي لقّنه تلك النصائح. وبهذه الطريقة يكون الشيخ البكتاشي قد أخذ نفسه من ذاته القديمة وأعاد إليه ذاته الجديدة العادلة الوفية، وأصبح مريدًا بكتاشيًا.

ويردد المريد في وقت طقوس الترسيم ما يؤكد ولاءه لهذه الطريقة، ومنه: "سلكت طريق الهدى بعد التخبيط في الرّدى، فأفقت من غفلة إذ تبدّى الصبح وانجلى، اثنتان وسبعون فرقة ضلّت سبيل الحجى، بجاه النّبي وأهله اجعلني من زمرة من نجا، مذهبي الحقُّ هو مذهب الصادقين الأصفيا، وملاذي هو الحاج بكتاش قطب الأوليا".

ويوضح الشيخ أحمد سري بابا شيخ البكتاشية في مصر أصول الطريقة في رسالته، قائلا: ويجب على المريد البكتاشي أن يتوب عن الآثام والذنوب توبة نصوحًا، وأن يجرد نفسه من محبة الدنيا وما فيها من الزّخرف والمتاع واللهو، وأن يكون من (أهل السّنة والجماعة) تقيًّا نقيًّا لا يأكل الحرام، قائمًا بالمفروض والسنن، صابرًا طائعًا مداومًا على العبادة، دائبًا على قراءة الأذكار والأوراد، شجاعًا على نفسه حتى لا يتبع غواية الشيطان، سخيًّا جوادًا كتومًا للأسرار أمينًا على الأعراض، عارفًا قدر نفسه، معترفًا بفضل شيخه، متأدبًا في حضرته، معظّمًا له، مؤدّيًا واجبات التكريم له، منفّذا لأوامره دون اعتراض، مهتديًا بهديه راضيًا مرضيًّا، متفانيًا في حبّ الله ورسوله وآل بيت الرسول.

نجد أسس هذه الاعتقادات في كتاب مقالات حاجي بكتاش، كما نجد أن العضو الجديد لا بدّ أن يمر عبر أبواب الشريعة (أحكام الإسلام) والطريقة (تعاليم الطريقة البكتاشية) والمعرفة الصوفية والحقيقة (الخبرة المباشرة بجوهر الوجود)، وبشكل متوازٍ مع هذه الأبواب، يصبح للقرآن أربعة معان: ظاهر للعوام، وزبدة النص للحكماء، وخفايا النصّ للأولياء، وحقيقة النصّ للأنبياء، وفيما يتعلّق بالشعائر والطقوس البكتاشية فهي لا تختلف كثيرًا عن غيرها من الطّرق الدينية، وقد تأصّلت هذه الشعائر والطقوس بالتدريج بواسطة خلفاء حاجي بكتاش، وأخذت شكلاً مختلفًا مع تطوير بالم سلطان في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي.