دموع تغيب عن العيون الوقحة

سجال سياسي وشعبي كبير

يوشك أكتوبر على المضي، يمضي كما مضى اثنان وأربعون أكتوبر من قبل اختفت فيهن ملامح جمعه الشوان (أحمد الهران السويسي البمبوطي الذي جال في يافا وحيفا وهبط في القدس ليعود حاملا الجهاز المخابراتي الخطير الذي أهداه لمصر منتصرا شاربا "عرق سوس" نخب الفوز مع الريس زكريا "اللواء محمد عبدالسلام المحجوب") ليأتي بعدها نصر أكتوبر المبين أو (حرب الغفران) كما يسميها الاسرائيليون محطة فارقة وعظيمة في تاريخ الصراع العربي الاسرائيلي تجدد ذكراها فينا الثقة والايمان بجيوشنا وجاهزيتهم القتالية وجنرالاتهم الوحوش.

ولكن وبعد مرور اثني وأربعين عاما يغدو اليوم أكتوبر مختلفا بظروف استثنائية وخصوصيه تطرح عده تساولات وتحديات وسط سجال سياسي وشعبي كبير، ولست هنا في معرض التشخيص السياسي والعسكري لانها مهمة جريئة تستعصي على الباحثين أنفسهم. لذا سأكتفي بقراءة المشهد قراءة ثقافية واجتماعية، وسأقوم بعنونة كل أمر يجعل - في رأيي - أكتوبر ٢٠١٥ مختلفا عن سابقيه.

أولا: الوطنية، الحليف، الجيل الرابع

مازال أكتوبر/تشرين الأول ٧٣ صفعة باقية على العالم أجمع تؤكد وطنية الجيش العربي، والمصري تحديدا، تلك السمعة الوطنية التي باتت اليوم على المحك، خاصة في ظل الأزمه الطاحنه التي أغرقت المجتمع العربي كله من مشرقه إلى مغربه - مع بعض الاستثنائات القليلة - في دوامة الصراعات والعنف والارهاب التي تفوح منها رائحة الطائفية والمذهبية وصراعات الاجندات الاقليمية والعالمية والتي شجعت عليها الانظمة القمعية التسلطية التي عصفت بالأحداث وجعلتها متسارعة يصعب معها السيطرة، الأمر الذي دعم الحملات الدعائية المغرضة التي قامت بها الامبرياليه الصهيونية والغربية معا خاصة الاميركية، وربما بعض السقطات التي قام بها الجيش المصري ساعدت على الدفع بهذه الحملات، كإعلانه اختراع مصل علاجي للآيدز ومصل لعلاج الفيرس الكبدي الوبائي الذي رفضت أكثر المؤسسات الطبية العالمية، بل والمصرية الاعتراف به، واعتباره سقطة مدوية.

لكن على أية حال من قراءة المشهد أن أميركا وجدت نفسها في مآزق حقيقي بعد ظهور الدب الروسي (حليف الماضي) ليزهو بقوته من جديد، وبعدما انسحبت مصر تدريجيا من التسليح الأميركي الذي انفردت به أميركا على مدى ثلاثة عقود ماضية، وخاصة بعد توقيع اتفاقية الاسلحة الروسية التي تقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار لتكون أكبر صفقة أسلحه منذ ١٩٧٣، مما زاد بمقتضاه القلق.

وسواء أن تمت الصفقة أو استبدلت بطائرات رافال الفرنسية، فإن إعادة الصداقة مع الكريملين مرة آخرى مع الانسحاب التدريجي من التسليح الاميركي يعد نقلة نوعية في تاريخ الجيش المصري منذ توقيع اتفاقية السلام ١٩٧٩، وعليه فقد رصدت أميركا كل مجهوداتها في التشويش إعلاميا على الجيش المصري والصخب الاعلامي وأبلغ دليل عليه ما ذهب إليه موقع "جلوبال فاير تاور" المتخصص في تقييم القوة العسكرية للدول وفقا لمؤشر القوة بعيدا عن القوة النووية الذي صنف ترتيب مصر عالميا في المرتبة الثامنة عشر (١٨) ليتراجع بذلك خمسة مراكز مرة واحدة عن العام الماضي ٢٠١٤، وهو وفقا للاحصاءات العسكرية الثالث عالميا من حيث امتلاك المدرعات العسكرية، والثالث عالميا من حيث الراجمات النارية.

لا أريد الخوض كثيرا في تلك الاحصائيات ولكني أردت من خلالها أن نشتم منها الرائحة المسيسة والمغرضة معا حتى نحذر من أن ما نخوضه من حرب ليست حرب الميدان بل حرب من نوع جديد تسمى حرب الجيل الرابع أو الرابع المعدل، حرب المنتصر فيها لا ينزل الميدان بل يخرب العقول ويثير الفتن ويضعف الرأي العام ويزعزع الاستقرار، حرب تزج بالجيوش العربية المنتصرة في مطاردة جماعات مسلحة وميشيليات وتنظيمات هلامية لا قوام رئيسي لها كـ (داعش) وغيرها تجعلها تطارد أشباحا. والغرض تشتيت وإضعاف تلك الجيوش مما يجعلنا بحاجة ماسة لقراءة المشهد ثقافيا قبل أي شيء لخلق وعي جمعي في مقابل التنافر المعرفي الذي نعيشه ونحن نخوض أكتوبر جديد مظهره عسكري سياسي ولكنه في الحقيقه ثقافي وجودي فهل نحن مؤهلون لهذه الحرب؟

ثانيا: ثقافة المقاومة

قبل الناصرة، ورام الله، وعكا ويافا، وباب المغاربة نحن بحاجه لمقاومة أخرى وانتفاضة ثقافية أخرى وحدها قادرة على حسم الموقف التاريخي، وحدها قادرة على بث الشجاعة والحرية وفك القيود، فمتى ندرك أن جبهتنا الحقيقية بين صفوفننا لنخرج من التخوين والتشكيك والطائفية والتحريض ونخلق مشهدا ثقافيا واحدا ونتبنى مشروعا وجوديا واحدا بعيدا عن الادلجة وتشويه التاريخ، خاصة وأن هذا الفراغ الثقافي تستغله بعض المؤسسات العالمية التي تدعي تبنيها للحريات والديمقراطية وهي ليست سوى مؤسسات صهيونية كمؤسسة "رفريدم هاوس" ذات الصلة المباشرة بالمخابرات الاميركية، والتي كانت وراء مؤسسة "مينا بوليس" التي دربت العديد من شباب الوطن العربي مقرها إسطنبول وتأسست عام ٢٠١١، وغيرها من المؤسسات كمؤسسة "المعهد الديمقراطي القومي" الذي له مكاتب ممتدة في الدول العربية ويعرب من خلال موقعه الالكتروني أن هدفه دعم ثورات الشعوب والديمقراطية، فماذا لو عرفنا أن رئيسة المعهد مادلين اولبرايت، وزيرة خارجية كلينتون والتي فرضت الحصار على أطفال العراق، وأن مسؤلي هذه المؤسسه خمسة من الصهاينه بل المتصهينين.

نحن في أزمة حقيقية تتطلب تعبئة عامة، ولا أقصد بها إعلان الاحكام العرفية، وطي الاحكام المدنية، إنما أعني خلق رأي عام قومي عربي واحد، يخلق وعيا ليضيء الروح بصيرة وإنسانية، وتجعل المواطن العربي صاحب إرادة وفعل معا بعيدا عن ثقافة الانكسار وخيبة الامل.

وأتساءل هنا لماذا لم تنجب هذه الفترة ثوارا أشباه أمل دنقل، وسميح القاسم، ومحمود درويش، وناجي العلي، وغيرهم.

نحن بحاجة لسلاح ثقافي نقاوم به في اكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٥ واكتوبرات مقبلة، خاصة، وان الزمن الذي تبقى لنا ليس زمنا مفتوحا بل أقصر مما نتصور وعلينا أن ننتظر ساعة الصفر لنحقق العبور .. العبور لآفاق رحبة.