عزل ائمة متشدّدين يفجر جدلا بين الزيتونيين والاسلاميين

اتهامات سابقة للنهضة بتسهيل تغلغل التطرف

أثار عزل وزارة الشؤون الدينية التونسية لأكثر من 40 إماما "متشددا" خلافا بين نقابة الأئمة الزيتونيين المؤيدة لعزل كل إمام يتبنى الفكري التكفيري الجهادي وبين المجلس النقابي الوطني للائمة وإطارات المساجد المحسوب على الإسلاميين الذي يصف عزل أولئك الأئمة بـ"تصفية حسابات" سياسية.

وكانت وزارة الشؤون الدينية قد اوضحت ان قرار عزل عشرات الائمة يأتي على خلفية تبنيهم خطابا تكفيريا متشددا والترويج للفكر الجهادي الذي شجع آلاف الشبان التونسيين للالتحاق بالتنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق.

ويأتي عزل الأئمة المتشددين في سياق الجهود التي تقودها تونس لمكافحة التطرف والتصدي للفكر التكفيري منذ هجوم دموي في يونيو/حزيران2015 نفذه شاب استهدف منتجعا سياحيا في محافظة سوسة الساحلية وخلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب، وتبناه تنظيم الدولة الاسلامية الارهابي.

وفي أعقاب الاعتداء الارهابي تحركت السلطات التونسية للتصدي للائمة متشدّدين حولوا عددا من المساجد إلى منابر لنشر التطرف واستهداف مؤسسات الدولة ونمط تدين التونسيين المعتدل.

وتساءل فاضل عاشور كاتب عام نقابة الأئمة الزيتونيين عن الخلفيات السياسية التي تقف وراء "ضجة" لا مبرر لها تقودها أطراف دينية متشددة.

وقال "لماذا لم نشهد أحداث فوضى في المساجد عندما قام القيادي في حركة النهضة نورالدين الخادمي حين كان وزيرا للشؤون الدينية بعزل عدد من الأئمة ولماذا لم يتم تجييش المصلين في المساجد حينها؟

وقال عاشور، انه متخوف من تحريك حركة النهضة (لم يذكرها بالاسم) لقواعدها ما قد يحدث فوضى بالمساجد.

واشار في هذا السياق إلى ان الحركة الاسلامية الشريكة في الائتلاف الحكومي هي "الحزب الوحيد الذي يخالف اتفاق كل الأطراف من أئمة زيتونيين وأحزاب سياسية وقوى مدنية حول تحييد المساجد عن أية تجاذبات سياسية".

وتطالب نقابة الأئمة الزيتونيين بـ"فتح تحقيق في حالة الفوضى التي شهدتها بعض المساجد على خلفية عزل أئمة متشددين ومن يقف وراء منع الأئمة الذين عينتهم وزارة الشؤون الدينية من الإمامة".

وكان جامع اللخمي بمدينة صفاقس قد شهد قبل صلاة الجمعة حالة من الفوضى على خلفية عزل إمامه السابق رضا الجوادي وقادت تلك الفوضى إلى منع أداء فريضة صلاة الجمعة.

وقال وزير الشؤون الدينية عثمان بطيخ من جهته إن "قرار عزل الجوادي نهائي ولا رجعة فيه" موضحا أن "الوزارة اتخذت كل الاحتياطات في إطار القانون واحترام الجميع" وأن "كل تعد على القانون وعدم احترام لمؤسسات الدولة يعرض صاحبه للعقوبة".

واعتبر بطيخ أنه "من غير المعقول الإصرار على تحدي قرار الوزارة بالقوة والإصرار على خرق القانون واستعمال القوة في بيوت الله".

وتدعم نقابة الأئمة الزيتونيين جهود الوزارة الرامية للتصدي للفكر التكفيري واحتواء تأثيراته عبر عزل الأئمة المتشددين.

وأكدت انها تدعم "تحييد المساجد وإبعاد أئمة دخلاء لا يؤمنون بمدنية الدولة عن المنابر تم تعينهم خلال فترة حكم الترويكا" عامي 2012 و2013 بناء على ولاءات حزبية لا بناء على كفاءتهم العلمية.

ونفى عاشور أن تكون أسباب عزل الأئمة المتشددين سياسية. وقال انه "لا توجد إملاءات بشأن مواضيع خطبة الجمعة" وأن 3700 إمام في البلاد يتمتعون بحرية كاملة في تناول مواضيع خطبهم.

وفي المقابل يرفض المجلس النقابي للأئمة وإطارات المساجد المحسوب على الإسلاميين قرارات العزل، مؤكدا أنهم معتدلون وأنهم لا ينتمون لأي حزب من الأحزاب.

وقال فوزي شعبان عضو المجلس ان "أسباب عزل العشرات من الأئمة تأتي في إطار "تصفية وزير الشؤون الدينية لحسابات شخصية أو على خلفية النشاط النقابي للائمة المعزولين".

واستنكر ما اعتبره تصعيدا من قبل عثمان بطيخ بعزله للائمة، واتهمه بخرق القانون.

وأشار إلى أن الوزارة لم توضح أسباب عزلها لأكثر من 40 إماما، مشيرا إلى أن المجلس سيقود "تحركات" خارج المساجد من بينها تنظيم وقفة احتجاجية الأربعاء أمام مقر الوزارة.

وكان راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة قد أعرب من جهته في تصريحات سابقة عن رفضه لسياسة وزارة الشؤون الدينية وخاصة منها قرارات عزل ائمة تقول إنهم متطرفون.

وقال إن مثل هذه الاجراءات "تخدم الارهاب وتغذيه".

وفي بداية أغسطس/اب 2015، عزلت الوزارة نورالدين الخادمي القيادي في حركة النهضة من إمامة جامع الفتح أحد أكبر المساجد بوسط العاصمة تونس على خلفية اتهامه بـ"استغلال" منبر الجامع للترويج للفكر الجهادي، إلا أن الخادمي نفى بشدة تبنيه وترويجه للتطرف.

وكان نورالدين البحيري رئيس كتلة النهضة بالبرلمان، قد اتهم حكومة الحبيب الصيد بأنها تسعى إلى "تصفية كل من يشتبه بأنه عمل سابقا مع الحركة" وبأنها قامت بعزل "أئمة معتدلين وغفلت عن استبعاد التكفيريين".

وقال إن "قرارات عزل عدد من الأئمة واستبعادهم لم تكن قائمة على أساس الكفاءة بل تمت حسب اعتبارات أخرى".

وتتهم بعض احزاب المعارضة حركة النهضة بأنها عيّنت حين قادت الائتلاف الحكومي الاسبق في مناسبتين، أئمة متشددين في العديد من المساجد، كما عيّنت مسؤولين في الدولة وفق الولاء الحزبي لا وفق معايير الكفاءة، إلا أن الحركة الإسلامية نفت بشدة تلك الاتهامات.

وترحب القوى السياسية والمدنية العلمانية بالجهود التي تقودها الحكومة لتحييد المساجد عن التوظيف الحزبي والسياسي. وتتمسك بأن "الدولة هي الجهة الوحيدة المخول لها دستوريا إدارة المساجد من خلال وزارة الشؤون الدينية التي تمتلك وحدها صلاحيات تعيين الأئمة أو عزلهم".

ويقول 73 بالمائة من التونسيين إن "الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك حق تعيين الأئمة وعزلهم" مشددون على ضرورة النأي ببيوت الله عن أي توظيف حزبي أو سياسي لتبقى المساجد فضاءات هادئة للعبادة.