بين البعد الواقعي والأسطوري في التاريخي والديني

البعد الواقعي والبعد الأسطوري يسيران بتوازٍ، كقضيبي القطار، لكنهما حين يلتقيان، تتحول المسارات، ليختلط الواقعي بالأسطوري، ومن هنا جاءت كتب التاريخ التي لا تروي تاريخًا باعتباره علمًا، يمكن الاتكاء على تفصيلاته للوصول إلى نتائج بحثية علمية، مثل باحث الكيمياء، إنما جاءت كتب التاريخ ذاتية انطباعية، فلا تعريف جامع مانع في كتب التاريخ أبدًا، لأن ما نجده في كتب التاريخ الإسلامي "فتحًا"، نجده في كتب التاريخ المسيحي "احتلالاً"، وما نجده في كتب التاريخ المصري "احتلالاً"، نجده في التاريخ الإنجليزي "استعمارًا"، وهكذا.

لا يمكن النظر إلى كتب التاريخ نظرة أحادية الاتجاه، لأنها في الحقيقة ليست كذلك. وإنما ينبغي دائمًا التدقيق في كل تفصيلة من التفاصيل التاريخية التي ترد في الكتب الموروثة، والبحث الدقيقة بالاستعانة بباحثي الأدب الشعبي، ومحاولة تفكيك العلاقات بين التاريخ والموروث الشعبي، والديني. حتى لا نجد صفات أبو زيد الهلالي مثلاً متشابهة مع صفات أحد قادة الحروب، أو الصحابة، أو الحواريين، أو تتشابه المواقف بين الحكاية الشعبية "المروية شفهيًا"، وبين تاريخ الحروب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الصحابة، والتابعين، وغير ذلك من الأمثلة، التي تجد تشابهًا عجيبًا مريبًا بين الحكايات، فلا تكاد تميز بين الديني والشعبي والعرفي، ولا يمكن الاستناد على الفطرة في أمر شديد الأهمية والخطورة كهذا، لأن الأوامر الدينية لا يمكن وضعها الانصياع فيها لأمر من دون آخر، وإنما تؤخذ ككل متكامل. أمَّا المرويات الشعبية، فهي غير ملزمة التصديق، وغير ملزمة العمل بها من الأساس، وإنما هي من قبيل الترقي الأدبي والأخلاقي.

ومن هنا، كانت المطالبات الدائمة، بتجديد لغة الخطاب الديني، وتجديد التراث الديني، وتجديد الموروث، وليس إلغاؤه كما يتوهم البعض، ويحارب فكرة التجديد برمتها.

مطلوب فقط التجديد، لإعادة الحياة إليه، وإمكان اعتبار التاريخ في مرحلة لاحقة علمًا يستند إليه عند الرجوع لمعرفة دقة التفاصيل التاريخية أو الدينية، كما نلتمس ما لا نفهمه في القرآن الكريم مثلاً من الشعر الجاهلي، أو العكس، وليس هدم البناء الذي لا يمكن هدمه بأي حال، حتى لو حاول البعض ذلك، لأن الخلط بين الديني والشعبي، بقدر ما أضرَّ، فقد أفاد في حفظ الموروث، عن طريق الحكاية المحببة إلى الإنسان، ويلتفت إليها، لأنها تشخص حال - في أغلب الأحوال - وقد تصف له علاجًا يمنحه الحياة.