علمانيو تونس يخشون مساعي النهضة لتفكيك النداء

'فرضية سياسية باتت ممكنة'

تساور الأوساط السياسية العلمانية التونسية "مخاوف" من استغلال حركة النهضة للأزمة التي تعصف بنداء تونس قصد تفكيك الحزب، الذي تأسس عام 2012 من لفيف قوى علمانية ويسارية، تنظيميا وسياسيا من الداخل وذلك على الرغم من أن النهضة شددت في أكثر من مناسبة على أن الصراعات داخل النداء "شأن داخلي وأنها غير معنية بها ولا مصلحة لها من تفجرها.

ويتحدث علمانيو تونس عن "أطراف" محسوبة على حركة النهضة تسعى منذ تفجر الصراع داخل النداء بين التيار الدستوري، نسبة إلى الحزب الاشتراكي الدستوري الذي كان أسسه الزعيم الحبيب بورقيبة خلال الثلاثينات من القرن العشرين، والذي يقوده نجل الرئيس التونسي ومؤسس الحزب حافظ قائدالسبسي وبين التيار اليساري النقابي الذي يقوده الأمين العام للحزب محسن مرزوق، لـ"الاستفادة" من الصراع باتجاه "اختراق" النداء وتعميق الخلافات من أجل التموقع من جديد ضمن الخارطة السياسية.

غير أن النهضة نفت في أكثر من مناسبة "أي نية لها في هكذا اختراق"، مشددة على أن "الصراع بين التيارين داخل النداء هو شأن داخلي لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد" بل على العكس من ذلك ما انفكت قياداتها تروج خلال الأشهر الأخيرة إلى أن "التقارب" بين الحركة وبين "نداء قوي ومتماسك" من شأنه أن يعزز نجاح التجربة الديمقراطية الناشئة من خلال "التعايش" في الحكم باعتبارهما قوتين سياسيتين نافدتين في المشهد السياسي في البلاد.

وبدا خصوم النهضة خلال هذه الفترة "أكثر توجسا وخيفة" من صدقية حيادها تجاه الصراع داخل النداء، حيث ارتفع منسوب الحديث عن وجود "أطراف" محسوبة على الحركة الإسلامية تتكون من سياسيين ومن رجال أعمال ومن إعلاميين "تحاول اختراق النداء في مرحلة أولى تمهيدا لمرحلة ثانية تسعى خلالها إلى تفجير الخلافات وتعميقها بين التيارين المتصارعين حول السيطرة على قيادة الحزب"، وذلك قصد "تهرئته" و"إضعافه" سياسيا وتنظيميا.

ويتحدث خصوم النهضة عن "تشكيل مجموعة" تتكون من عدد من رجال الأعمال والإعلاميين ومن السياسيين المحسوبين عليها لدعم التيار الدستوري ضد التيار اليساري النقابي العدو الشرس للنهضة باتجاه "إحداث نداء جديد" يكون قابلا بـ"التحالف السياسي مع النهضة".

وعلى الرغم من أن حديث علمانيي تونس حول سعي النهضة إلى اختراق النداء وتفكيكه من الداخل يحتاج إلى "حقائق معلنة" بدت إلى حد الآن في طي الكتمان ولم تتجاوز "الكواليس السياسية"، فإن كثرة تداول مثل هذا الحديث دفعت بخصوم النهضة إلى القول إن الاختراق "فرضية سياسية باتت ممكنة"، خاصة في أعقاب تصريحات شديدة اللهجة صادرة عن عدد من قيادات التيار اليساري النقابي تحذر من محاولات "جهات سياسية معينة" دفع الخلافات داخل النداء باتجاه تفجير صراع عميق لا رجعة عنه بما يقود إلى تفكيك الحزب".

ويتوقع علمانيو تونس أن فرضية اختراق النهضة للنداء هي "فرضية ممكنة سياسيا" على الرغم من أنهم يقرون بأنها "فرضية تكاد تكون مستحيلة تنظيميا"، ملاحظين أن الجهات المحسوبة على النهضة من مصلحتها تقوية التيار الدستوري الذي تغازله وإضعاف التيار اليساري النقابي الذي يرفض أي تقارب معها، ويدعو باستمرار إلى استبعادها من المشاركة في الحكومة.

غير أن محللين سياسيين "يقللون من هكذا اختراق"، ملاحظين أنه حتى "في حال نجاح الاختراق فإن ذلك لن يقود لا إلى وضع حد للصراع ولا لاستقواء التيار الدستوري على حساب التيار اليساري النقابي"، وهم يستبعدون فرضية إحداث "\'نداء جديد\' قريب من النهضة سياسيا وفكريا".

ويشدد المحللون السياسيون على أن التيار اليساري النقابي يمتلك من النضالية ومن النفوذ السياسي والتنظيمي ومن السطوة داخل النداء، ما يجعله قادرا على "مواجهة" أي محاولة لتهميشه في مواقع صنع القرار داخل الحزب.

وبخلاف ما يذهب إليه خصوم النهضة، فإن قيادات سياسية تقول إن احتداد الصراع داخل النداء ليس من مصلحتها باعتباره سيقود بالبلاد إلى عودة المشهد العام إلى حالة الاستقطاب الحاد واختلال التوازن السياسي التي عاشتها البلاد عامي 2012 و2013 زمن حكم "الترويكا" بقيادة النهضة.

ويقول سياسيون إن النهضة جربت الاستئثار بالحكم وتحالفها مع حزبين علمانيين ليس لهما أي ثقل في الخارطة السياسية للبلاد وهما حزب المؤتمر الذي أسسه منصف المرزوقي وحزب التكتل الذي أسسه مصطفى بن جعفر، وقادتها تجربتها الفاشلة إلى إقرار عدد من قياداتها النافدين سياسيا وتنظيميا بأن تلك التجربة أدت إلى "تهرئة" الحركة وإلى "إضعافها" سياسيا وشعبيا.

ويبدو أن النهضة باتت اليوم، كما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين السياسيين، "مكرهة" على "التسليم" بأن "مصلحتها" تكمن في "التموقع" في الحكم بصفة "شريك" مع حزب قوي يضاهي قوة نداء تونس يدعمها وتدعمه ويشكل كلاهما "غطاء سياسيا" لنقاط ضعف الأخر.

ولا تتردد القوى السياسية والمدنية التونسية في القول إنه في حال صحة سعي النهضة إلى "تفكيك" النداء للاستئثار بالحكم فإن النتائج ستكون "كارثية" على الحركة الإسلامية التي فقدت الكثير من التأييد الشعبي نتيجة فشلها في إدارة الشأن العام بالبلاد زمن حكم "الترويكا". وتشدد تلك القوى على أن النهضة ستجد نفسها في تلك الحال إلى جانب "نداء" ضعيف وهش كما ستجد نفسها أشد ضعفا وهشاشة الأمر الذي قد يقود إلى "تهرئة" المشهد السياسي العام.

وتضيف تلك القوى أن الهشاشة السياسية المحتملة للنداء والهشاشة السياسية التي تعيشها النهضة من شأنهما أن تدفعا بعديد القوى السياسية والمدنية إلى تشكيل "جبهة علمانية يسارية معارضة قوية وشرسة"، تستميت في قطع الطريق أمام إشراك النهضة في الحكم بأي طريقة من الطرق.

ويستبعد مراقبون نجاح اختراق أطراف محسوبة على النهضة لنداء تونس، مشددين على أن "الحزب العلماني الذي تأسس أصلا لمواجهة الإسلاميين يمتلك نسيجا تنظيميا وسياسيا وفكريا تعجز النهضة على تمزيقه".

ويضيف المراقبون أن أي تموقع جديد لحركة النهضة ضمن الخارطة السياسية للبلاد يستوجب عاملين اثنين لا غنى عنهما، أولهما تفاعلها الإيجابي مع التحولات التي يشهدها المجتمع التونسي، وهي تحولات باتت تفرض عليها القيام بمراجعات جذرية باتجاه "تحرير نشاطها السياسي من سطوة مرجعيتها العقائدية" بما يجعلها حزبا سياسيا مدنيا شانه في ذلك شان بقية الأحزاب السياسية التي تتخذ من الدستور مرجعية لها.

أما العامل الثاني لأي تموقع جديد للنهضة ضمن الخارطة السياسية للبلاد فإنه يتمثل، وفق ما يقول المراقبون، في "تسليم" الحركة بأن الخارطة الجيوسياسية الإقليمية التي بدأت تتشكل في المنطقة نأت بنفسها عن الارتهان لسياسات المحاور الداعمة للإخوان، وهي سياسات تراجع دورها في المنطقة لصالح سياسات تمتلك من النفوذ السياسي والدبلوماسي والعسكري ما يجعلها تضع في سلم اهتماماتها مصالح بلدانها الاستراتيجية قبل أي شيء آخر.