'حياة قاحلة' .. عناصر المأساة وجمالية الانفعالات

المثول أمام محكمة المعاني وتجلياتها

قاسم محمد مجيد شاعر وناثر وصحفي ولد على ضفاف الانهار الجارية واتكاْ على موروثاتها وأساطيرها اظهر ميله الادبي منذ صباه. وشكل مع مجموعة من جيله انموذج التحدي لاكتشاف أشياء جديدة بطريقة المواظبة والاجتهاد، فهو مقل لا يستسهل الكتابة، لديه إيقاعه الجمالي في اختيار الشكل الشعري.

شب على لهيب المعارك والحوادث والنكبات الكبيرة والتي اغنت تجربته واكسبتها هذا المد الروحي صنعة نحت جملته الشعرية وخلق منها صور مشرقة سليمة متينة مليئة بالمبتكرات المستحدثة حتى استوى مع سقف تراتيل مخرجاته التعبيرية الشديدة الشفافية رغم انها تحمل رائحة الألم.

ديوان "حياة قاحلة" هو الاصدار الثالث للشاعر قاسم محمد مجيد بعد ديوان "هي لم تأتي" 2002، و"من مدونة مفلس" 2013. يحتوي ديوان حياة قاحلة على مقدمة بليغة تداخلت وتلاحمت مع الشكل المضموني للنصوص كتبها الشاعر والناقد قيس مجيد المولى وشكر وامتنان وملحقات وثماني وعشرين قصيدة تنوعت اغراضها وغاياتها ومدلولاتها والتي جاءت ضمن تسلسل زمني ومكاني بياني تصاعدي.

تم توظيف الشعر السياسي المعارض والاجتماعي والثقافي والنفسي في حركة الصراع المحتدم بين الأضداد والمتناقضات بقوة تأثير المد الفكري في إحداث فجوة التغلغل التغيري من تلاحم التجنيس بين الواقع والخيال مع حضور المؤثرات باطراد واصرار.

لعل من الانسب ان نفك قيود المأساة بالبر والرأفة لندخل الى عالم الشاعر استجابة لدواعي الافكار القائمة على جدلية اشتقاق الافكار الاصيلة ومج تفاهة الرغبات التي اوهمت الافتراضات بمقاييس لا تقدر ان تلبس المجهول بقاعدة الاثبات بعدها يمكن ان تكتشف السمات القابلة على تقويم الادراك او من عدمه وفق نظرية التعادل او تقاسم المشتركات السببية بهاجس خلق اجواء تساعد على انماء براعة التعبير وتفجير طاقاته وعلى غرار الشك اننا نسيج ذلك الفعل المغيب بمبتكراته الفجائية مما استلزم ان نهيئ الخيال كي يعمل على إعادة هيكلة الحواس والاسلوبية التعبيرية على طريقة الابتكار مع ترادف نمو الغليان الشعوري الذي يستعير من العواطف تلك النفحة غير المستشعرة بسبب العلائق المتداخلة بين مختلف المكونات المحللة لمركب تقويمي نسقي يستخلص الكل من الجزء ويلامسها بغرائيه الاستفزاز على

أساس البحث عن مستوى المبدأ القرائي الذي في عباءته هموم المرحلة وسر قوتها وديمومتها.

لقد مر الشاعر قاسم محمد مجيد الساعدي في تدرج المصائب والهموم مذ ان علق نفسه في الميزان المضموني الطبقي بتحلية رومانسية تقترب وتبتعد من خجل الهموم الوطنية بمختلف صورها وخاصة في ديوانه الثاني "من مدونة مفلس".

اما ديوانه الثالث الموسوم "حياة قاحلة" كأني اراه يتكون من جسد واحد ولكن ضمن أفكار ومضامين مختلفة ورغبة تطويع استقراء الطبيعة وما حولها من أوجه مختلفة واستجلابها الى عرائس شجرة غادرتها العصافير بإيحاءات إشارية وحسية نسمع حسيس لهيبها المثقل بضجيج القلق يقول: ليس ثمة ... خطوة اخرى في الأزقة الضيقة ومدن الصفيح فأنا غريب يجوس في شوارعها وتحدق في الفراغ كم من السنين أضعت في هذا التيه!

وللوقوف على تجربة الشاعر قاسم الساعدي الشعرية وعن جذورها الفنية تحملنا هذه التجربة الغنية الى القول ان السنوات الاخيرة طاب له المقام في حدائق اللغة المنتفاة والألفاظ الموحية المشتملة على جدلبة تناسل المعنى المكتظة بدفء شواطئه الحزينة وبمناهج اسلوبية حديثة غير مقطوعة الجذور بآليات كتابته الماضية ولكن تعمل بمغذيات تعاظم فلسفة اللغة بدرجات متباينة.

وعلى سبيل تطوير النص الادبي عمل على تشكيل مسيطر الدقة والموضوعية في تفسير الظواهر غير المتحققة تحت عناوين القوانين الابداعية كونها بنت منظومة منسجمة متفاعلة من مخرجات التماثل الدلالي المتجسد في اللغة والتأمل النفسي متسترة بالعواطف الحارة المختلطة بثرثرة الروح التي لم يكف انينها اذ يقول: عشرة في عشرة لا توقظ الأسئلة القديمة الاجابات حطاماً يقذف به البحر على الشاطىء لا نبوءة لمنجم مذ المهد المزين بالخرز والتمائم والشقاء!

وعمل الشاعر الساعدي على المثول امام محكمة المعاني وتجلياتها كي يحيطها بشهادات بليغة وعميقة انطوت على تحسس يزدحم بالصور والرموز الموحية كأنه يعطي للزمان والمكان الرعشة المنقذة للخلاص من مشكلة للآلام والمحن وتجاوز الصعاب الذي لا يتلاءم مع مناخات نشوة الكبرياء وإرخاء الادب الرفيع الشفاف اللين المستأنس بالمعابر الساحرة الخلابة البالغة مستوى الامتاع بروح التمرد والثورة.

يحاكي الشاعر الاوقات التي لا تصلح للحب لانها لاتتناسب مع القيم الجمالية المعذبة للطبيعة اذ يقول: سأدعي لا أوقات فراغ لدي. تصلح للحب وأن لا محنة قادمة تدفع بي لإطار طيور الغاق في دغل يابس وأن نهاراتنا ... حبة ولا جنون ... يحملنا للقاع وأن لا طعنات في الظهر وأن الخنجر ليست ... علامة السياسي الفارقة ويبدو ان الهم الذاتي صنع من شاعرية قاسم الساعدي طراوة وعذوبة رغم مرارتها المغرقة بالألم نحو النزوع الى نزعة (الشمولية) في متحف الحواس والادراك كصيحة احتجاج الصوت الداخلي الباحث عن تناسل وتمحور المعنى الذي يوحد الهم الجماعي لذلك نجد الشاعر خرج من صومعة اليأس وقلاعها الحصينة الى الهجوم الذي يروم خلق عناوين جديدة ترصد نبوءات الاهتزازات العنيفة واسقاطاتها المريبة وصيانة تأكسد الحلم في الرفاهية تأملية تترقب كوابيس الشرود الاضطراري لتسرح في ملاعب الحياة المجبولة بالهموم يقول:

اخي الشهيد حين ... عدت وحدي وأقفلت باب الدار صارت الشمس بلون الرصاص وأصرت .. البنادق الصدئة ... على الدوي وحدها الحرب تبتر سلالتنا أعتاب شهواتها وتشيخ الحياة ولا نحصل الا على شريط اسود معلق على صورة.

لقد عاد الشاعر الساعدي يداعب الجسد المخضب بالدم من اوسع ابواب النكبات والمصائب والنحيب المحدب على جنائزية منحى التبدل الحياتي القاسي الذي اقفل على اعتاب تأجيج الخيال الى مديات المؤثر الذي اقلق اكتمال الصورة في مختبر عنفوان الصفاء ورقة الناضجة المحملة بثقافة الشاعر.

ربما هناك ثمة مؤشر يجعلنا نتفاعل في لحظة مرور الصورة الشعرية ولكن ننتهي عند سفر المزاج الى هاوية الابتلاء ضمن قاعدة الفعل ورد الفعل رغم كل هذا لم يتخلّ الشاعر الساعدي عن صفاء شعريته، وجسدها المملوء بالمفاتن وجعلها تلامس معمار المعنى في قصيدة "تذكرة" عن تلك الذاكرة المهورة على ساحل البحر اليتيم يقول:

تذكرة ليت حزنه مثل الضباب بل هو سفن تصطف على ساحل البحر تذكرهم بالبيوت القديمة وصوت المزاليج لبيوت الاحزان.

وأخيرا قدر الشاعر قاسم الساعدي ضبط ايقاعه الشعري بالالفاظ المعبرة وجزالة تراكيبها الفخمة وخبرة استثمرها ليصنع منها ترسانة الحظة الشعرية الزاهية المتجسدة بلغته الصافية المحتشدة بطاقات ثقافته الغنية وبطريقة ذاتية حركته مبعث الهام الذي يجري في عروق المعرفة عززها بمنطق العلم والواقعية الذي تفرضها الحياة بوصفها حاضنة العقلٌ الذي ينمي جوهر العبقرية وقواعد العمل الابداعي مستفيدآ من تبدل وتطور الاتجاهات الادبية وفي قدرته على استيعاب المتغير الذي احدثته المدارس الادبية والتي اثرت نجاحات منجزه الادبي وقولبته ضمن سياق روح الثورة والانعتاق من دائرة الحزن والعبودية والاستبداد كي يكون مدينة من الوثوب والثبات عنيد متمرد في تجول العواطف الى اقصى درجات امتلاء التأمل وجودة المؤثر فيها