وجع الغربة ورسوخ فكرة المواطنة في ديوان 'أصداف سكندرية' لـ منى لطيف

فجوة روحانية عميقة في قلب الساحل البحري

منى لطيف، أديبة كندية معاصرة من أصل مصري، تكتب بالفرنسية، عاشت وتربت على ضفاف نيل الزمالك، وتعلمت بإحدى مدارس الإرساليات الفرنسية إلى التاسعة عشرة من عمرها، حيث تزوجت وانتقلت للعيش بكندا.

وهناك أكملت تعليمها بدراسة الفنون المسرحية وفنون الإلقاء، وخلالها توطدت علاقتها بالأديبة الروائية الكندية الكبيرة آن هيبار، التى اكتشفت موهبتها الشعرية فى أولى تجاربها "أنشودة الكروان"، وهى عبارة عن أغنيات مصرية مبعثرة تعبر عن الحنين وألم الفراق، فشجعتها لتجمع شتاتَ نفسها ومشاعرَ الاغتراب المؤلم فى ديوان صار هو أول أعمالها التى توالت متدفقة كتدفق نيل القاهرة، الذي عاصرته فى طفولتها، ويكاد لا يخلو عملٌ لها من صورة للنهر الخالد أو جِلسة عليه أو فكرة تحاكي تدفقه.

وتوالت أعمال منى لطيف الشعرية، تتخللها بعض الروايات والمقالات، لكن بقى الشعر هو مضمارها المفضل لتبثه لواعج نفسها المشتاقة، ولتعبر به وفيه عن ألم الفراق الذي لم يهدأ منذ الرحيل.

"أصداف سكندرية"، هو آخر دواوينِها، صدر عن دار "لارماتان" في باريس بالفرنسية، وقد شرفتُ بترجمته إلى العربية بناء على طلب خاص منها، والسبب الذى أقنعتنى به هو أننى أنا نفسى سكندرية المنشأ "وما حدش هايفهم معنى كلامى ويشعر به غيرك".

تاريخيا، اقترنت فكرة الوطن بحركة نضال التاريخ الإنساني من أجل العدل والمساواة والإنصاف. وكان ذلك قبل أن تستقر فى الوجدان مصطلحاتٌ كالهوية والانتماء والمواطنة، وما يقاربها من مصطلحات في الأدبيات السياسية والفكرية والتربوية، وتصاعد النضال وأخذ شكل الحركات الاجتماعية.

وفي التاريخ المعاصر تنوعت إفرازات الهوية بحسب التيارات الفكرية السياسية والاجتماعية التي لا يمكن فهمُها بمعزل عن الظروف المحيطة بها أو بعيداً عن الزمان والمكان بكل أبعادهما الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأيديولوجية والتربوية.

ومن ثم لا يمكن اعتبار مفهومى الهوية والانتماء نتاجاً لفكر واحد مبسط، وإنما هى مفاهيم نشأت ونمت عبر عصور فكرية متعاقبة ومتنوعة.

الهوية تشمل اللغة والعادات والتقاليد والثقافة بصفة عامة، ويكتسبها الإنسان من المحيط الذى يعيش فيه. فعادات وتقاليد الصعيد تختلف عن أهلِ الشمال البحرى، وسكانُ السواحل يختلفون عن أهل المدن والمحافظات الداخلية والبدوية.

والهوية مصطلح يستخدم للتعبير عن فردية الشخص وعلاقتِه بمجتمعه الذي ينتمي إليه. فهى إذن مجمل السمات التى تميز الشخصَ عن غيره والجماعة عن غيرها.

أما الانتماء، فيعد مفهوماً مركباً يتضمن العديد من الأبعاد. فالانتماء يسعى إلى توطيد الهوية، وهي في المقابل دليل على وجوده، ومن ثم تبرز سلوكيات الأفراد كمؤشرات للتعبير عن الهوية وبالتالي عن الانتماء.

ويأتى مفهوم المواطنة مواكبا لمفهوم الانتماء، حيث تعتبر المواطنة هى الدائرة الأوسع التي تستوعب مختلفَ الانتماءات في المجتمع، كما أنها تضع معايير ملزمة للأفراد تحقيقا للاندماج والتشاركية.

ومن ثم، تعد المواطنة هي البوتقة التي تضمن انصهار جميعِ الانتماءات لصالح الوطن ضمن إطار الهوية، ومن خلال الالتقاء على أرضية التعددية وقبولِ الآخر من أجل المصلحة العامة فى إطار من الحرية والمشاركة.

يضع د. عثمان بن صالح العامر فى بحث بعنوان "أثر الانفتاح الثقافي على مفهوم المواطنة" شرطين لفهم دلالة مصطلح الانتماء:

أولهما: المفهوم الذي يكتسبه الشخص في حقل معرفة ما عبر ظروف تاريخية معينة، وثانيهما: علاقاته التفاعلية مع مصطلحات مماثلة تبين مدى اختلافه عنها.

فمفهوم الانتماء لا يكتسب دلالته الكاملة إلا من خلال زمان ومكان محددين، وهذا ما نسعى لتوضيحه من خلال دراستنا لديوان "أصداف سكندرية"، حيث نحتاج إلى تحديد دلالته واستكشاف مضمونه.

وهذا ما سوف نلاحظه فى القصائد محل الدراسة، حيث تلعب الشاعرة على العلاقات التفاعلية لأبطالها مع المكان (الشاطئ أو صحراء العجمى وشجيرات التين الشوكي)، وأحيانا مع تراث مادى معروف لدينا جميعا يرمز لفترات زمنية بعينها (الفريسكا والكلوكلو).

والمكان هنا هو مدينة الإسكندرية الساحلية الواقعة على شاطئ البحر المتوسط، أنشأها الإسكندر الأكبر مسترشدا بنبوءة عراف فوق جزيرة فاروس المتاخمة للساحل الشمالي الصحراوي لأرض الكنانة مصر، حتى تكون ملتقى لحضارات البحر المتوسط الأوروبية والآسيوية مع عمق القارة الإفريقية ونقطة التقائها بالحضارة المصرية. فالإسكندرية مدينة عالمية على أرض مصرية يأتيها الزائرون من كل حدب وصوب. تقول منى لطيف:

"ساحل التيارات والرياح

ساحل القراصنة والرعاة

فجوة روحانية عميقة في قلب الساحل البحري

مع أن الروح لا يمكن رسمُها

وجزيرة فاروس المُشْرفة

على المرفأ.. على شعب البحر

على المدينة العجيبة التي أملتها النبوءة

على خيالات الإسكندر الأكبر..

وعلى شعب البحر

ذي الشباب السرمدي

ينشد محلقا

على إيقاع تواتر أمواجك

أيتها الإسكندرية صاحبة النبوءة"

وتعتمد الشاعرة في رؤيتها على الربط بين جغرافية المكان (طبيعة الأرض) والانتماء، حيث أوضح الدكتور طارق حبيب في إحدى مداخلاته عن الانتماء للوطن والهوية الوطنية أن طبيعة البلاد التي تقع على البحار، أو تمر بها أنهار، يكون فيها الولاء للوطن واضحا وقويا، ومَثًل على ذلك بمصر، بينما الطبيعة الصحراوية للأرض، تجعل الولاء في البداية للقبيلة.

ونجد الشاعرة تعبر عن مفهوم الولاء لهذا المكان المتميز باعتباره يدعو إلى تأييد الفرد لمجتمعه، ويشير إلى مدى الانتماء إليه، ولأنه الأساسُ القوي الذي يدعم الهوية. وأدواتُها في هذا استدعاء التراث المادي، فتارة تحدثنا عن الشاطئ برماله ومحاره وكائناته البحرية قائلة:

"محارة من صدف

وقشريات تودع

حبيبات الرمال والأملاح

تفترش شاطئ

اليابسة"

وتارة تذكرنا بالموروث التقليدي والذكريات المحببة:

"كانت المدينة السعيدة

تفوح منها رائحة العطلة الصيفية

مدينة الكلوكلو والفريسكا وأيامِ الحب"

وأحيانا تذكر ماضي المدينة متعدد الثقافات فتهتف:

"مدينة كتبي وشفتي

مدينة كافافيس بطعم اليونان المتباعدة

مدينة ديوريل الذي غرس ببراعة الغرب في ثوب رياحها"

..

إسكندرية الموسيقى

مدينة قلب موستاكي

تفور منه شمبانيا الألحان

ليقدمَها مطعمةَ بالكلمات

لعطشى حبك"

وتعبر الشاعرة عن الحاجة إلى الانضمام والعشرة، وهي من أهم الدوافع الإنسانية الأساسية لتكوين العلاقات والروابط والصداقات، وتشير إلى مدى التعاطف الوجداني بين الأفراد والميل إلى المحبة والعطاء، مما ينمي لدى الفرد تقديرَه لذاته وإدراكَه لمكانته ومكانةِ مدينته ويدفعه إلى العمل للحفاظ عليها وحمايتها لاستمرار بقائها وتطورها، كما يُشعره بفخر الانتساب إليها. وفي هذا تقول الشاعرة:

"لا تدع الاغتراب يقتل قلبك

لا تكسر جرة الفتاة التي تجوب الشاطئ

تملؤها إلى الحافة من الماء المالح بطعم العسل

لتهدئ من سعير مأساتك القديمة ومخاوفك الجديدة

ولهيب الزمن"

وأيضا تمثل الإسكندرية بوتقة تحوى جاليات ومجتمعات متنوعة ذات ديانات وثقافات وأعراف وتقاليد ونظمٍ مختلفة. وتعد الموقع الأمثل لمثل هذا التباين الخلاق:

"أمواج تتوالى على شواطئك

لآلاف السنين

تفيض السفن بشحنات من البشر

أتوك من ثقافات غربية

مستبعدين من أوطانهم أو نازحين بحثا عن الرزق

أسماك مختلطة الأنواع

بين الحفاوة والكرم في رحاب جمالك

أقاموا الجنة السرمدية

الإسكندرية"

فنجد الشاعرة تركز على الاعتراف باختلاف الثقافات، وتصف كيفية التداخل والتعايش بينها في ألفة وجو من احترام حق الغير وحريته.

كما توحى بقبول الديانات المختلفة والمذاهب المتباينة، تتبلور تحت سماء الإسكندرية التي تتسم بالتسامح والتفاهم وتجنب النزاع، في إطار من الاحترام المتبادل بين سكانها من خلفيات متنوعة، بما يعكس شعورا بالانسجام والتناغم. تقول:

"حين لفظت موجات العنف أبناءها

وحملهم البحر إلى هذا المرفأ

حيث تسهر الموسيقى

تقدمت فتاة حافية القدمين

تحمل الجرة التي تخمد الذكريات

على استحياء ودعتهم للشراب

وكان اسمها

الإسكندرية"

كذلك ركزت الشاعرة على الهوية الذاتية التي هي جوهر الانتماء.. فربما لم تكن هوية بعض من وفدوا عليها هويةَ سكندرية في بادئ الأمر، لكن هذه المدينة العجيبة باحتضانها للغريب والضيف خلقت انتماءً من نوع خاص لكل من حل بها واستجار بشاطئها الحاني:

"أتى من بيزنطة ابن حلب

بنظرته المتمردة كالفستق الناضج

في يوم بارد تحت الشمس

أتى من حلب ابن الإسكندرية

بنظرته الخضراء

تفوق خضرةَ البحر حين تتخلله الشمسُ

قدَرُه رسا على رصيف مرفأ

يسهر فيه فنار أسطوري

بيزنطة أسطورة

وحلب ذكرى

بقيت له الإسكندرية"

أبرزت أيضا الشاعرة إدراكَها الواعى لاقتصاديات المنطقة وفهما لنشاط سكان الإسكندرية التجاري باعتبارها ميناء رئيسيا شرق المتوسط وأحد أهم مراكز الشرق التجارية.

أما عن العلاقات التفاعلية والمشاركة في تشجيع الوئام والتفاهم بين الشعوب، فتنضح به وتصبو إليه كل كلمة وبيت من هذه الشذرات الشعرية، كما أنه يمثل الغرض الجوهرى لهذه الكتابة المتميزة.

إن الروابط الانتمائية تؤكد على الميل نحو الجماعية وتَوحُد الأفراد مع الهدف العام للمكان الذي ينتمون إليه، تعبر عنها القصائدُ بقوة ناعمة مؤكدةً على قيم التعاون والتكافل والتماسك، والرغبة الوجدانية في دفء التوحد وتعزيز الميل إلى المحبة، وجميعُها تسهم في تقوية الانتماء من خلال التمتع بالتفاعل الحميم المتبادل:

"الإسكندرية الخطيرة

لا يمكن الرحيل عنك دونما قدر من الألم

دون تركة ثقيلة من الذكريات والمستحيل والروعة

لعطشى حبك.. مدينة البحر

بحر البحور الرائع

البحر المتوسط الأسطوري العجيب

يتهادى على الموانئ لاثما ثغر شواطئها

ثم يعود إليك..

يصب على ضفافك مذاق تلك البلاد

في سخاء لا يعرفه إلا من يعرفُ أصولَ العطاء"

وهذا هو المقصود بالقوة الناعمة الصادرة عبر كلمات حانية "مسكرة" تقطر عذوبة، تدير بها الشاعرةُ دفة الصراعات بطريقة اللاعنف، مبحرة بحذر بين مختلف التوجهات:

"الإسكندرية

التي لا يُشفى أحد منك

رأيتك بالأمس

وطنَ الطفولة الذي لا يقوَى شيء على إفساده

محروسة أنت بمحبيك.. لا يتراجعون

ساهرون هم على ذكريات العوالم المتعددة التى أوجدتك

باقة من المؤمنين بك..

يعرفون كيف يكون الصمود أمام هجمات الفكر

يحتفظون بك في ثنايا القلب المتقد النابض بالحياة

قلب سكندري مستنير

لأنك هنا.. بالتأكيد

وبفضلهم لن يستطيع أحد أن يمحوك"

إذن، علينا أن نُقيم ونعمق معرفتَنا لذواتنا وهويتنا الوطنية، وأن نفهم أكثر أسباب حبنا وانتمائنا إلى وطننا مرة، وبعدنا عنه وإنكاره مرة أخرى، ولنتذكر أنَّ حبَ الوطن نوعٌ من الإيمان - إيمان بالحب وبالحياة، إيمان بإرثنا وحضارتنا وبمستقبلنا. فمن لا يؤمن لا يحب.. ومن لا يحب لا ينتمي.. ومن لا ينتمي لا يبني.

وأخيرا، أسوق تشبيها توضيحيا بسيطا ليبقى عالقا بالأذهان، فإن شبهنا الانتماء بشجرة، فما الذي يغذي جذورَها ويثبتها بأرضها؟ الهوية. وما هي ثمارُها المرئية؟ الوطنية.

ومن ناحية أخرى، فكما أن الانتماء الأسري لا يجب أن يفصلنا عن الانتماء الوطني، كذلك يجب ألا يفصلنا الانتماء الوطني عن الانتماء الإنساني. فما موقف شبابنا من مفهوم المواطنة في ظل المتغيرات العالمية التي نمر بها؟ (بوابة الأهرام)