عاصمة إدارية حديثة لإدارة حكومية عتيقة

أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي أوامره المشددة بضرورة الانتهاء من المرحلة الأولى للعاصمة الإدارية الجديدة لمصر خلال عام واحد، وذلك بنفس الطريقة العسكرية التي اتبعت مع مشروع تفريعة قناة السويس حيث سبق أن أمر باختصار وقت الانتهاء منها من خمس سنوات إلى سنة واحدة.

ويبدو هنا الرئيس وكأنه يسابق الزمن لا لبناء دولة حديثة كما وعد الشعب بذلك، إنما لإقامة معالم ثابتة صماء يغلب عليها الطابع الحداثي والأشكال الجمالية المزركشة لعله يُفحم بها من ينتقدون طريقته في إدارة البلاد، والذين معظمهم الآن، من المؤيدين له، ولكنهم إزاء هذا الأسلوب وجدوا أنفسهم مضطرين للبوح علناً بأن هناك من الأولويات ما هو أهم من تلك المشروعات التي لا يفيد الوطن تسريعها ولن يضره تأخيرها أو حتى إلغائها.

والحقيقة أن المشروع الأخير، وهو العاصمة الإدارية الجديدة، الذي سيُكلف عشرات المليارات، لن ينتج عنه حين اكتماله إلا مباني حديثة وشوارع فخيمة، وكفى، أما الإدارة التي ستنتقل إليه لتدير الدولة منه، فهي كما هي لم تمسسها يد التحديث، إنما أبقينا عليها كما أوجدها الدهر، وكأننا نستصرخ منظمة اليونسكو لإدراج تلك الإدارة العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي، وهي التي تستحق بجدارة أن تأخذها يد المنون.

إن المباني الحديثة والشوارع المزخرفة لا علاقة لها من قريب أو بعيد ببناء البلدان، أو تطوير الإنسان، والدلالة الوحيدة لبناء عاصمة إدارية جديدة في هذا التوقيت الصعب الذي لا تستطيع فيه مصر زيادة احتياطيها من العملات الصعبة ليست إلا الرغبة في ترسيخ مجد شخصي من خلال سُرعة الإنجاز حتى ولو كانت خزانة الدولة خاوية ومواردها شبه مُنعدمة، وسينتج عن إطاعة الأوامر العسكرية المزيد من الأعباء المالية الآتية من الاستدانة.

وفي خضم الفرحة الغامرة بإنجاز المشروعات الكبيرة في مدة قصيرة، ننسى ما قيل عن الإخوان من أنهم كانوا يسعون لبيع مصر لدولة خليجية، لاتباعهم نفس الأسلوب المتبع الآن في الحصول على الأموال من خلال طرح مشاريع يتم إسناد الصرف عليها لهذه الدولة أو الاستدانة منها، فإذا استبدلنا تلك الدولة بدولة خليجية أيضاً، أفلا يحق للطرف الآخر أن يرد بنفس الاتهام ويصم الإدارة اللاحقة بما سبق أن وصمت بها السابقة؟

إنني وغيري لا ندري إلى متى ستظل حكوماتنا الرشيدة الواحدة تلو الأخرى، أسيرة الدائرة الشيطانية للاستدانة من الداخل والخارج، دون الخوف من الحاضر أو الخشية على المستقبل، ودون اعتبار للكرامة الوطنية التي تجعل ممن يمد يده عاجز تماماً عن أن يرفع رأسه.

إن ارتداءنا ملابس الفضاء لا يعني أننا من رواده، وتوشحنا برداء الأطباء لا يمكننا من مساعدة المريض أو شفاءه، واعتمادنا على غيرنا في البناء لن يخلف لنا إلا استجداءه، فالدولة التي لا ترى في تطوير إدارتها أولوية لن يجديها نفعاً حداثة عاصمتها الإدارية.