حميد خزعل .. التشكيل بالإكليريك يغزل حكايات شهرزاد

خلفيات لونية صافية أو مخربشة برقة

في معرضه الأخير، يقدم الفنان الكويتي الكبير والتشكيلي المبدع حميد خزعل تجربة جديدة وفريدة في آن واحد، ألا وهي التعبير عن الموروث الحكائي العربي تشكيليا، ونعني به: أن يصوغ الفنان التشكيلي لوحاته مستلهما ومتخيلا ومعبرا عن حكايات من السرد العربي التراثي.

وظهر هذا واضحا في معرضه الجديد المقام في قاعة "بوشهري"، بدءا من 12 أكتوبر/تشرين الأول 2015، والذي حمل عنوانا دالا على توجه الفنان خزعل ألا وهو: "هوامش من سيرة شهرزاد"؛ الأمر الذي يجعل المتلقي لفن خزعل يلج المعرض، وقد تنسّم عبق حكايات ألف ليلة وليلة، واستحضر شخصية شهرزاد، تلك المرأة التي شكلت شخصية محورية في بناء حكايات ألف ليلة وليلة، لأنها الحكاءة الأساسية في قصص الليالي، تنثال الحكايات على لسانها، ومولاها شهريار مضطجعا بجانبها، منصتا مستمتعا. ومهما تفرعت الحكايات، وامتدت وتشعبت، فإن صوت شهريار يأتينا في ثناياها أو في نهاياتها، يذكرنا بحضورها، وأنها هي المحركة الأولى للقص، وراوية الفعل، وساردة للشخصيات وتفاعلاتها.

جاءت اللوحات كلها إكليريك، وهي الخامة الفنية التي تطورت في السنوات السبعين الأخيرة بتطورات عظيمة فمادة الأكريليك يمكن استعمالها على أي سطح حتى المعدني للتلوين الزيتي، فما يميز الأكريليك أن الألوان واضحة براقة وتدوم وقتا طويلا، فالأكريليك بعد أن يجف يكتسب مناعة ضد الماء والزيت والتغيرات المناخية، ونرى آثاره متجسدة في اللوحات في تشكيلات أقرب إلى البروز.

يغوص بنا فناننا المتميز حميد خزعل في أجواء السرد التراثي، ولكنه لا يفعل مثلما فعل السابقون، بأن صوّر بريشته عوالم متخيلة من ألف ليلة وليلة في لوحات تكون أقرب لقص الأحداث بواقعية كما فعل فنانو عصر النهضة في أوروبا أو الفنانون التقليديون، أو يكون قد رسم شهرزاد نفسها، متخيلا ملامحها وجمالها الآسر، مستحضرا صوتها الملائكي الذي جعل شهريار بكل جبروته واستهانته بالنساء والدماء يقبع جوارها، ويستجدي حكاياتها وإلا فإن سيّافه حاضر لها.

ماذا فعل حميد خزعل في معرضه المبدع إلى درجة الإدهاش، الفريد إلى درجة الطرافة؟ لقد غاص في أعماقه الخاصة كإنسان وفنان، وعاد إلى سنواته الأولى في طفولته وشبابه المبكر، متذكرا حكايات شهرزاد، متخيلا أبرز رموزها التي نجدها تترى في حكاياتها، مثل الأحصنة، الطيور الحقيقية والخرافية، أبطال القصص الفرسان والفتيات والبسطاء، الشجر والبحر والثمار. كل هذه الرموز القابعة في أعماقه منذ الطفولة، أخرجها، برؤية فنية هي مزيج من السيريالية والتجريد والرمزية العالية.

جاءت كائناته في لوحاته بدون ملامح محددة، فلا نرى وجوها بشرية، ولا رؤوسا حيوانية، ولا هيئات الطير حتى نميزها، ولا أشجارا أو ثمارا لنعرف كينونتها، وإنما رأينا خطوطا متعرجة أو مستقيمة، تشي بالأشكال طون تفاصيل، على فضاءات لونية متنوعة، يجمعها صفاء الأرضية: تنويعات الأزرق والأخضر، ودرجات الأحمر، وإن غلب الاصفرار عليها.

لقد بدت لوحات المعرض بخلفيات لونية صافية أو مخربشة برقة أو تسبح النجوم في فضائها، ثم تأتي الأشكال الحكائية، في بؤرة البصر وسط اللوحة، أي أن الأرضية اللونية بصفائها، تعطي مجالا بصريا للتأمل في ماهية الكائن الحكائي، ودلالاته رسمه، وهيئته المتخلية.

الرسالة التشكيلية واضحة، إنه يقدم المخزون الحكائي عن ليالي ألف ليلة، في رموز وحركات وإشارات، وكأنه يقول لنا: هذا هو المتشييء بصريا في أعماقي من سرديات التراث العربي الرائعة. وبعبارة أوضح: إنه كفنان تشكيلي، تعامل مع ما عرفه من حكايات شهرزاد برؤية بصرية، أساسها عرض رموز الحكايات والأبطال والأحداث كما تخيلتها نفسه في طفولتها، وأيضا ما تبقى منها وهي في كهولتها.

المفارقة في هذا المعرض أنه لم يسمِّ أي لوحة من لوحاته بأي عنوان، مكتفيا بالعنوان العريض الذي يحمله المعرض، وتركنا نعيش أجواء لوحاته، لندرك أنه لم يعبر عن حكاية بعينها، وإنما استلهم أجواء الحكايات كلها، ومن ثم قام بتصفية رموزها البصرية، وعرضها لنا كما هي راسخة في أعماقه، أشكال بلا ملامح، ولكنك ستعرف ماهية الكائن فور رؤيتك له، وستعرف أن الأرضية الصافية للوحة متنوعة الألوان، ما هي إلا ذاكرتنا الصافية مثل سطح البحر، ثم يطفو الكائن على سطحها، فنراه مرة مركبا يبحر في الأصفر.

وفي لوحة أخرى نشاهد المركب لونه أصفر، وفي جوانبه نقاط سوداء كأنها مسامير، والمركب جانح على قمة تل أو كثبان اتخذ من الرمادي لونا، في إشارة إلى أنه أرض برية وليست على ضفاف بحر، ونرى في أرضية اللوحة الرمادي الفاتح القريب من الاصفرار. دلالة اللوحة واضحة: يمكنك أن تمضي في الحياة وتكد فيها، ولكنك ستجنح ولن تستطيع أن تغير من نتيجة فعلك، فالمركب المعلق على قمة التل هنا دال على نتيجة السعي والكد، ولكن بلا طائل ولا ثمرة، فهل يمكن أن يبحر المركب وهو في أعلى التل؟

وهذه لوحة بها: قطعة من البطيخ على حافة جدار بالأصفر، وهناك وجه مثلثي، بعينين مثلثيتين تتطلع إليها، وفي أعلى اللوحة سحاب بالبني، فاللوحة مزيج من الأصفر لون الجدار، والأحمر لون البطيخ، والوجه خطوطه بالسواد، أما السماء فهي باللون الفستقي الفاتح، والسحاب بني، ودلالة اللوحة واضحة: البطيخ أحيانا يكون حلما لنفوس محرومة لا تملك إلا التطلع إلى قطعة منه، وربما يكون التطلع خياليا، أي أن النفس تتخيل البطيخ، وهذا وارد، فقطعة البطيخ على شفا حافة، تتأرجح في وضعها، أما بنية السحاب فلأن النفس المحرومة تتطلع إلى السماء تحلم أن تهبها ما تشاء، وكأن السحاب يستقبل الدعاء، ويختزن الرجاء.

وفي سرد ليالي ألف ليلة الكثير من تمنيات النفس الإنسانية وأحلامها، وقد تشتهي طعاما وإن كان رخيصا ميسرا. فهو يقرأ الحكايات قراءة نفسية ويصوغها في رموز بصرية.

تكررت شُقّة البطيخ مرات، وكذلك تكرر معها الحصان / الفرس، ففي لوحة نجد فيها شقة البطيخ المثلثة طائرة في أعلى اللوحة، وهناك رسم سيريالي للحصان، لونه البياض وخطوطه السواد، وقد ضخم الفنان من الرأس والعنق وجعلهما أقرب إلى المستطيل، وكذلك ذيل الحصان المتدلي، أما أرجل الحصان فهما اثنتان لا أربع، والأرض الواقف عليها زرقاء، وأرضية اللوحة مزيج الأخضر بالأزرق. هنا يمكن أن تأخذ اللوحة عشرات التفسيرات، ولكنها تنقلنا إلى أجواء خرافية، في حكايات ألف ليلة، حيث الحصان سبيل للسفر والهرب، وهناك الحصان الطائر أيضا، أما شقة البطيخ فتظل معبرة عن رغبة حسية، وتتطلع للذة، وأمل ممتد.

وفي لوحات أخرى يصطبغ الحصان بالسواد وبالاحمرار وقد يقترب من شكل الديك أو الغزال، وتتضح العلاقة أكثر بين الحصان والإنسان في لوحاته، حيث نجدهما متجاورين أو متلاصقين أو ممتزجين، مع تفاوت في الحجم المقدّم، ففي لوحة نجد الحصان كائنا صغيرا يعلو كتف إنسان بشري، وكأن الإنسان يحمله، في إشارة عكسية بأن الإنسان يرعى حصانه مثلما يحمله الحصان في سفراته.

أما البشر فلا نكاد نعثر على وجه يجسد شهرزاد، وإنما وجدنا أجساد نساء وفتيات، غامت ملامح الوجوه، ورأينا شتاتا من الأجساد، ورسوم اللوحات أقرب إلى رسم الأطفال منه إلى الكبار، لتؤكد لنا أن الفنان حميد خزعل يرتكز على مخزونه الطفولي، ويخرجه بخبرته الفنية، بكل طزاجته وبراءته.

ودعنا نطرح سؤالا آخر، ماذا لو لم يعنون حميد خزعل معرضه بالعنوان المتقدم عن مقاطع من سيرة شهرزاد، وترك لنا الفضاء والدلالات مفتوحة على مصراعيها، دون أن يؤطرها العنوان المتقدم؟

ستكون الإجابة أن هذا وارد، خصوصا إذا تعاملنا مع اللوحات، كل على حدة، سنكتشف أن كل لوحة لها عالمها، وستكون دلالتها رحبة، تشمل ما هو حكائي موروث، أو طفولي مختزن عن حواديت الأحصنة والطيور والبشر، وسنجد أن البراءة تغلف كل هذا، لأن من سمات المدارس الفنية الحديثة: السيريالية والتجريدية والتكعيبية وغيرها أنها لا تقف كثيرا عند الواقع وإن كان متخيلا، وإنما تتعامل مع ما ترسب في النفس، سواء كان شعوريا أو لا شعوريا، لتخرجه في تشكيلات وتنويعات بصرية.

لاشك أن حميد خزعل علامة مهمة في الحياة الفنية التشكيلية الكويتية، وهو شخصية راقية للغاية على المستوى الإنساني، تمتاز بالثقافة العميقة، والتأمل الطويل، يرافقها إنجاز مستمر، لا يعرف الكلل ولا الملل، ما بين معارض محلية ودولية، ومؤلفات تشكيلية عديدة، ظهرت روحه وموهبته النقدية التشكيلية، وحرصه على التأريخ والتوثيق لمسيرة الفن التشكيلي في الكويت. أي أنه يجمع الإبداع والدراسة والنقد والتنظير والتأليف.

mostafa_ateia123@yahoo.com