أوّل المصارحات يكون مع النفس

1- منذ أن حلَّ ما أسمي، فيما بعد، نكبة فلسطين صدرت أصوات قليلة تقول لقد هُزِمنا. حينذاك كان معظم الناس، وما زال أكثرهم، موقنين بأن ما جرى إن هو إلا نتيجة مؤامرة، ومن تدبير خيانة، ولولا ذلك لكان... الانتصار المؤزر محققاً، وعليه فالانتصار مؤجل إلى حين.

ولمّا أجاب أحد المحاضرين يوماً، في إحدى المدن العربية، رداً على سؤال عن سبب نكبتنا: النكبة كانت لأننا خُضنا المعركة بسبعة جيوش. فصفّق الحاضرون. ولم يسأل أحد لمَ كان التصفيق في العزاء؟

بعد حين خفَت الحديث، إلى درجة الانعدام، عما يسمى هزيمة، وأضحت في الخطاب والذهن نكبة، حلّ بعدها ما دُعِيَ بالنكسة. وفيما بعد كان اجتياح جنوب لبنان وغزّة، ومن يومها والانتصارات تتوالى.

2- في الجانب المسكوت عنه، أن القادة العسكريين بعد خسارة المعارك في الميدان، ربما (نقول ربما عن حُسن نية) لم يدركوا - كما ينبغي لقائد مجرِّب - في إبانها ماهية القصور التعبوي والتكتيكي في مواجهة عدوّ متمكّن، ولا هشاشة الخطوط الخلفية الممتلئة حماسةً بخُطبٍ تجييشية لا تُلقي بالاً إلى المقومات المادية والمتطلبات البعيدة المدى، وسبل إعدادها واستخدامها وفق منظور عصري، بل ما تفتأ تستعرض، بأصواتٍ صارخةٍ من أعماقها، مواعظ تستلهم أيام مبارزات السيف والترس، والسجال المتفاخر عبر القوافي والسجع، وتوالي المترادفات والجناس والطباق، وإشباع نطق الحروف، وحدّة النبْرة.

من يومها أضحت الخطب العامة (الجماهيرية) تقوم أساساً على اعتماد ترداد أقوال سالفة، لها رنين، يخالطها كلام غائم المعاني يوائم المناسبة. للمفارقة أسلوب الخطبة وطريقة إعدادها واحتوائها على المأثورات، عموماً، يبدو نفسه في أي بلد عربي مقاوم أو غير مقاوم.

3- عقب انكشاف واقع الهزيمة في سوريا، ما أسرع ما توفّرت التهم، - لترسيخ فكرة حصول المؤامرة والخيانة - وما أهون ما لقيت من يروّج لها، منها اتهام السيد أحمد الشراباتي وزير الدفاع، آنذاك، ولم يكن أيامها الوزير يزمن في الوزارة، فلم تكن فترة الوزارة تتعدى الشهور إلى سنة وقليلاً ما تتجاوزها. غير أن الوزير (المؤقت عملياً) أضحى - بقدرة قادر- المسؤول المباشر عن الضعف المتمادي، ناهيك عن القصور الذاتي لبلد يحبو في طريق النمو، نظرة إلى الأمام ونظرات إلى الخلف.

والمأزق أن الإشكال الناجم عن أن نظرية المؤامرة ولاحقتها الاتهام بالخيانة ما كانا بقادرين، لا آنفا ولا لاحقاً، على القبول بتحليل ما جرى، وفق منهج ما، لطبيعتهما الحدية التي ترفض رؤية الواقع إلا كما تريد أن تراه متطابقاً مع نظريتها المُريحة.

4- ثم ما دام قد تمّ العثور على من ينبغي تحميله عبء الوزر كلّه (على طريقة الأمهات الشغوفات بإبعاد اللوم عن أبنائهن بجعلهن الفاعل هو القطة) فقد ارتاحت الضمائر القلقة، وبقيت مسألة العزل، فجرى تنفيذ الإقصاء بحق جميع المدنيين الذين كانوا في السلطة، آنذاك، بحكم كونهم زملاء، بالتالي شركاء في المسؤولية عن هزيمة حاقت بمن خاضها وحمّله وزرها.

تم ذلك بانقلاب على الحكم، وفرح كثيرون وابتهج كُثر لأنهم أرادوا التخلص من رجال، ما رغبوا مطلقاً في تصوّرهم أو قبول أنهم بشر يخطئ مراراً ويصيب مرّات، بل أرادوا، للحكومة والحكم الذي لا يمكن، بل يستحيل، أن يكون طاهراً بإطلاق، رجالاً طُهرانيي الضمائر والعقول، غارقين في العفة حتى ذقونهم، متمسكين بالثوابت، غير عارفين ما الواقعية ولا البراغماتية.

متغافلين عن أنه من غير المعروف أين يوجد مثل هؤلاء في غير الحكايات التراثية التي إلى الأسطورة أقرب.

ولأننا ما نكاد نخرج من حلم حتى يستغرقنا غيره، يتملكنا أمل التبشير بقدوم المستبد العادل (الأفغاني وقبله فولتير)، من دون أن يراودنا سؤال من مثل: كيف ومتى وأيّان وأنّى، ويوقعنا حلم اليقظة هذا في مأزق عدم الانتباه إلى تناقض الاستبداد مع العدل، وإلى سذاجة تلازمهما، وهكذا ما يفتأ مأزق يطيح بنا إلى آخر لأننا نرفض الصراحة حتى مع أنفسنا.