فؤاد حداد .. صوت الشعب بين الشعر والرئيس

تخطي الحواجز المصطنعة

"صورة الشعب بين الشاعر والرئيس" دراسة في النقد الثقافي بالتطبيق على خطاب فؤاد حداد الشعري والخطابات السياسية لرؤساء مصر"ناصر،السادات، مبارك" للناقد د. سيد ضيف الله، صدرت أخيرا عن دار كتب خان، وتعد أول دراسة نقدية أكاديمية عن شعر فؤاد حداد، لكنها في الوقت نفسه أول دراسة تقدم نموذجًا تطبيقيًا لمقولات النقد الثقافي على الشعر العربي دون أن تحوله لحديث في قضايا عامة أو تحليلات سياسية، فقد قدمت الناقدة المعروفة د.فريال غزول لهذا الكتاب تقديمًا لافتًا حين وصفته بأنه "بحث جرئ ودقيق ورائد؛ جرئ لأنه يتناول شاعرًا فذًا لا يمكن توصيفه بكلمات معدودة؛ فكل توصيف لجوانبه المتنوعة اختزالٌ وابتسار.

فؤاد حداد بتعدده الإنساني يتجاوز الأنماط السائدة من الهويات. تنصهر فيه روافد مختلفة إيديولوجية ووطنية تتحدى التنميط الأحادي"، كما أنه بحث "دقيق لأنه قراءة متمعِّنة وفاحصة للغة فؤاد حداد بظلالها ومجازاتها. تستبطن قراءة الباحث مواقف الشاعر في أدق تفاصيلها ومجازاتها. تستبطن قراءة الباحث مواقف الشاعر في أدق تفاصيلها وتشرّح مكنوناته وتفسِّر تحولاته إن لم يكن تناقضاته الظاهرية ذات الطابع البرادوكسي paradox. إنها قراءة تسعى إلى استكشاف هواجس الشاعر في مراحل مختلفة من حياته وأساليب التعبير عن قناعاته، عن تطلعاته وانكساراته في عقود متتالية".

وأخيرًا أكدت على ريادة البحث لأنه ابتعد عن الطرق المعتادة في استسهال تناول نهج النقد الثقافي عربيًا واستطاع أن "يقدم نموذجًا رائدًا للتعامل العلمي الجاد مع النقد الثقافي".

لقد استطاع د. سيد ضيف الله أن يقدم تصوره النظري لشبكة من المفاهيم والمصطلحات الموجودة في مجالى الدراسات الثقافية والنظرية الأدبية التي تلغي بشكل عملي مبرر طرح السؤال المفتعل حول وجود علاقة صراعية أو تلفيقية بين النقد الأدبي والنقد الثقافي. ومن ثم تساهم الدراسة في تخطي الحواجز المصطنعة ليس بين المجالين فحسب، بل بين مجال النقد الأدبي والقارئ العام المنشغل بهموم الحياة اليومية. حيث يجد القارئ النقد وقد اقترب من تلك الهموم بطرحه لسؤال تمثيل الشعب بين خطاب السلطة السياسية وخطاب الشاعر المنتمي للشعب والحالم بالعدالة الاجتماعية والوحدة العربية والتحرر الوطني والكرامة الإنسانية.

ومن ثم يقود هذا الكتاب القارئ نحو المراجعة النقدية لتاريخ مصر المعاصرـ بل لتاريخ عالمنا العربي المعاصرـ للوقوف على أسباب فشل محاولات الشعب العربي المصري للنهوض والخروج من أسر التبعية! وفي هذا السياق، يتصدى هذا الكتاب لأربعة أسئلة أساسية: الأول كيف قرأ فؤاد حداد الثقافة عبر قراءته لذاته الشاعرة في علاقتها بالشعب باعتباره آخر؟ والثاني إلى أي مدى نجح فؤاد حداد في تشكيل الهوية الثقافية لذاته الشاعرة في حوارها مع السنن الأدبية؟ والثالث إلى أى مدى يختلف نسق تمثيلات الشعب من موقع التكلم الخاص بالشاعر"فؤاد حدّاد" عن نظيره من موقع التكلم الخاص بالرئيس في الخطابات الرئاسية لـ (ناصر، السادات، مبارك) الموازية زمنيًا للخطاب الشعري؟ والرابع هل ثمة علاقة بين نسق تمثيلات الشعب في الخطابين الاستعاريين؛ الشعري، والرئاسي، وإخفاق مشروع التحديث ذي الصبغة القومية التحررية الذي بدأ في النصف الثاني من القرن الماضي؟

وقد اشتمل الكتاب على بابين؛ في الباب الأول قدم د. سيد ضيف الله تصوره للمدخل الملائم لهذا البحث للدخول إلى مجال النقد الثقافي من خلال "تمثيل الشعب"، وقد ناقش هذا المدخل من ثلاث زوايا موزعة على ثلاثة فصول؛ كان أولها عبارة عن مقاربة للوعي النقدي بشعر العامية عند فؤاد حداد على النحو الذي تظهره حواراته الصحفية ومقارنته بالوعي النقدي بالفنون المعربة وغير المعربة عند صفي الدين الحلّى، أما ثانيها فكان عبارة عن قراءة نقدية في النظام الأدبي المستند لتراتبيات اجتماعية وإنسانية عبر ترسيخه وشرعنته لتراتبيات لغوية وجمالية، وفي ثالث هذه الفصول قدم الباحث تصوره للنقد الثقافي ليس باعتباره بديلاً لنقد أدبي ولا باعتباره منهجًا يرسخ لتراتبيات مضادة لتراتبيات النظام الأدبي، تلك التراتبيات التي ترعاها وتزكيها مؤسسات تعليم الأدب ونقده، بوعى حينًا ودون وعى حينًا آخر، وإنما باعتبار النقد الثقافي نشاطًا نقديًا دنيويًا بتعبير إدوارد سعيد.

أما الباب الثاني، والذي جاء تحت عنوان "بناء الأمة في الخطاب الاستعاري بين التماثل والاختلاف"، فقد اشتمل على ثلاثة فصول، حاول د. ضيف الله من خلالها أن يجيب على سؤال كيفية تشكيل الهوية الثقافية من خلال دراسة نسق تمثيلات الشعب في خطاب فؤاد حداد الشعري والخطابات الرئاسية عند عند ناصر، والسادات، ومبارك، مراعيًا التوازي الزمني بين وقت كتابة القصائد داخل الدواوين الشعرية، ووقت إلقاء الرؤساء لخطبهم منذ عام 1952، وحتى عام وفاة فؤاد حداد 1985.

تنتهي الدراسة بخاتمة تضمنت نتائجها العامة، خاصة ما يتعلق منها بتمثيل الشعب في شعر فؤاد حداد وعلاقته بتمثيلات رؤساء مصر للشعب في الخطابات الاستعارية، إضافة إلى قائمة موضوعات مقترحة لدراسات مستقبلية تثرى المجال التطبيقي للنقد الثقافي في آدابنا العربية.

ينطلق المؤلف من فكرة جوهرية صاغها بقوله إن الوعى الجمعي الشفوي الذي تمثّله الشاعر الكبير فؤاد حداد في بنائه لعقل الأمة شعرًا وامتثل له هو ما ساهم إلى حد ما في الربط بين فؤاد حداد بدواوينه الأولى مثل أحرار وراء القضبان، بقوة العمال والفلاحين وموال البرج، والشاطر حسن ورقص مغنى ويضرب ع الوجيعة ويلاقي ع الطبطاب والمسحراتي والتي اتسمت بحالة من الانسجام بين الوعي الكتابي المديني الفردي للشاعر مع الوعي الشفوي القبلي البطريركي إلى حد بعيد في سنوات حكم ناصر الأولى السابقة على نكسة 1967؛ ولذلك كان حرص الباحث على اكشاف مظاهر حضور الوعي الكتابي الفردي في حالة تنافر مع الوعي الشفاهي القبلي المهيمن يحتم متابعة السياقات التاريخية المختلفة لعلاقة الوعي الكتابي الفردي المديني بالوعي القبلي الشفاهي البطريركي وصراعهما على تمثيل الذات الجماعية في خطاب حداد بالموازاة مع ناصر، السادات، مبارك.

كان شكل الهوية الذي يتم بناؤه هو سر اتفاق حداد وناصر سياسيًا، وسر اختلاف حداد وناصر من ناحية، والسادات ومبارك من ناحية أخرى، بينما كانت طريقة بناء هوية الذات الجماعية من موقع تمثيلٍ ذي أبعاد سياسية القاسم المشترك بين حداد من ناحية وناصر والسادات ومبارك من ناحية أخرى؛ نظرًا للاتفاق على تمثيل الشعب باعتباره جماهير من منظور النموذج الأصلي للشاعر العارف بكل شيء والقادر على كل شيء واالنموذج الأصلي للحاكم باعتباره البطريريرك أو شيخ القبيلة، وهو وعى بطبيعته قبلىٌ، لم ينتج أمة تستوعب ذاتها في تنوعها وتحولاتها السياسية والتاريخية، وإنما أنتج أمة على غرار القبيلة؛ قبيلة الأمة. وهو الوعي الذي برهن ضيف الله على ان حداد قد أفلت منه إلى حد كبير وتموقع في موقع جديد يبنى منه هوية الذات الجماعية من منطلق المراجعة النقدية لتاريخ تمثيلات الذات الشعرية لها، وهذا جوهر الوعي الكتابي المديني الفردي الذي قاوم به حداد خطاب السادات ثم مبارك المتسمين بذات الوعي الشفوي القبلي البطريركي في تمثيلهما للذات الجماعية، وفي ذات الوقت قاوم حدادُ ذو الوعي الكتابي المديني الفردي به حدادًا ذا الوعي الشفوي القبلي البطريركي والذي كان سر انسجامه في الماضي مع ناصر باعتباره النموذج الأصلي للحاكم ذي الوعي القبلي الشفوي البطريركي؛ وذلك عبر إعإدة قراءة الماضي ومراجعته في ضوء ما آل إليه في الحاضر.

ولهذا يذهب ضيف الله إلى أن عقل الأمة بمثابة خبرة حياة تكفل للذات الجماعية طريقة لإدراك للذات وللعالم المحيط بها استنادًا لمصادر معرفية مقروءة ومسموعة تشكل في مجموعها النماذج الثقافية للأمة المُتخيلة التي يعيد أبناؤها إنتاجها ليؤكدوا انتماءهم لذات الأمة. وهنا يكون الحاكم /الرئيس مطالبًا بالإمساك بالبؤرة التي يرتبط بها أبناء الأمة المُتخيلة على اختلاف ذواتهم الفردية وتقديم صياغة سياسية قادرة على تجسيد ملامح الأمة المُتخيّلة.

ومهما كانت قدرة الحاكم/ الرئيس على الإمساك بالبؤرة المتمحور حولها أبناء الأمة المُتخيلة باعتبارهم ذواتًا فردية ومهما كانت قدرته على تقديم صياغة سياسية لتجسيد هذه الأمة المُتخيلة فإن ذلك لا يمنع من وجود أفراد قادرين على التملص من ذاك الوعى الجمعي/الشفوي، بالأمة المُتخيلة هويةً استنادًا لوعى فردي/ كتابي يوفر تصورُا مخالفًا لذاته الفردية وعلاقاتها بالعالم المحيط بها.

وبوضوح يكشف ضيف الله عن سر تميز هذه الدراسة والتي أخذ ينسج الفصول فصلاً فصلاً ليبرهن للقارئ على حقيقة تبدو بسيطة لكنها ملفتة ومثيرة للتفكير؛ وهي أن الشعب المُتخيّل أو الأمة المُتخيّلة نتاج معرفة مكتسبة تم تقديمها بوسائل شتى ويُعاد إنتاجها بوسائل مختلفة، وهو الأمر الذي جعل الباحث يذهب إلى الاعتقاد في أن مواقع تمثيل الهوية الثقافية بما تنطوي عليه من تصورات لمصالح سياسية وحياتية تكشف إلى أى مدى تتعدد الأمم المُتخيّلة على أسس ثقافية وأيديولوجية وإلى أى مدى تستطيع أجهزة الدولة الخشنة والناعمة السيطرة على التصورات المتعددة للأمة المتخيلة وفرض تصوّر واحد لها، وهو ما يؤكد أن الهوية الثقافية تتشكل متأثرة بمواقع التمثيل التي يتم منها بناء الهويات، مما يجعل من الهوية ذات بعد سياسي متغير وليست جوهرًا فوق سياسي وفوق تاريخي وفوق أيديولوجي.

لقد كان تناول الباحث لفؤاد حداد نقطة تميز لهذه الدراسة لأنها أول دراسة لهذا الشاعر الكبير، لكن ما زاد من حسنات الكتاب أنه قدم نموذجًا لكيفية تطويع الناقد لأدواته لتصل أفكاره للقارئ العام؛ ولا يمكن أن يتحقق ذلك لناقد أسير مقولات نقدية؛ فالحرية قرينة الإبداع، وقد مارس ضيف الله حريته وقدراته الإبداعية ليتفاعل بإيجابية مع مقولات النقد الثقافي لإيمانه – بحسب تعبيره - بأن الإبداع في النقد تنظيرًا وممارسة حاجة ثقافية ملحة ليس لثقافتنا العربية فحسب وإنما لكل الثقافات الإنسانية باعتبارها ثقافات لأمم تتمم بعضها بعضًا، وليست ثقافات لأمم تستنسخ بعضها من بعض.

لقد دخل الباحث من خلال سؤال التمثيل إلى دائرة النقد الثقافي، التي يراها أنها لا انفصل عن دائرة النقد الأدبي، وإنما لنعود حيث استعان بأدواته وتراثه النظري في درس الاستعارة ذات الوظيفة التمثيلية بالأساس، ثم طوّر الباحث من كيفية توظيفها باستخدامه مفهوم الخطاب الاستعاري للوقوف على نسق تمثيلات الذات الجماعية في مجمل الخطاب الشعري والخطاب السياسي في سعيهما للتعبير عن الثقافة المشتركة وبناء هوية الذات الجماعية.

إن هذه الدراسة دعوة لتحفيز الباحثين لممارسة الحرية في تجريب آليات اشتغال مناسبة للنقد الثقافي على آدابنا العربية بمختلف أنواعها الأدبية وربطها بخطابات أخرى تشغل اهتمام القارئ العام وتؤثر علي حياته اليومية، بما يسهم في استعادة الدرس النقدي لدوره في المجال العام. ولهذا أطلق الباحث دعوته لأقسام الأدب في كليات دار العلوم والآداب والتربية المختلفة لتأسيس مقررات دراسية لطلابها تتعلق بالدراسات الثقافية والنقد الثقافي، وأن تراجع دورها في ترسيخ السنن الأدبية المعبرة عن الثقافة السائدة مراجعة نقدية.