ازدحام الطائرات الحربية في السماء السورية

كان ينقص السوريين ضربات جوية روسية لبلادهم حتى تدخل ثورتهم مزيداً من التعقيدات العسكرية والسياسية.

روسيا تدرك أن تدخلها الجوي في الحرب الجارية على خلفية الثورة لن يحسم الحرب. أما الولايات المتحدة فلم تدرك ذلك، أو أنها تجاهلت ذلك وهي تدركه.

التنسيق جارٍ بين الدولتين، ولا شك. كما أن روسيا تنسق مع طيران بشار الأسد، ومع إسرائيل، وتركيا. فهذا الازدحام لابد له من شرطي مرور حتى لا تقع "حوادث مؤسفة".

أما الخرق للأجواء التركية، الأحد والإثنين، فكانا متوقعاً، لكن نتائج خرق جديد، وأكبر، لا يمكن توقعها، في ظل رد الفعل التركي اللطيف الذي ظل دبلوماسياً وحذراً.

وبالرغم من الفتور بين أنقرة وواشنطن وبرلين، الذي بلغ حد اتخاذ الدولتين قراراً بسحب بطاريات الباتريوت من الحدود التركية، فلا يمكن استثناء أميركا من الاستفزار، كون تركيا عضواً في حلف شمال الأطلسي. وبناء على مستجدات الحدث، ربما تتراجع الدولتان عن هذا القرار دعماً لتركيا بعد الأخطار الماثلة على حدودها الجنوبية.

وللتذكير، وضعت تركيا عام 2012 قواعد للاشتباك مع طيران النظام السوري، عقب إسقاط نظام بشار الأسد طائرة حربية تركية. لكن الخرقين الروسيين كانا بمثابة هجوم تحذيري بعد يوم واحد من انتقاد رئيس الجمهورية التركية، رجب طيب أردوغان، للضربات الجوية الروسية لفصائل الجيش الحر.

ومع أن داعش تلقى ضربتين جويتين في مدينتي القريتين وتدمر، من بين 57 ضربة جوية، حتى ليل الثلاثاء الماضي، من باب ذر للرماد في العيون، فليس من المتوقع أن تتركز الضربات على التنظيم وحده، فكل الفصائل الأخرى، المعتدلة وغير المعتدلة، هي عدوة لنظام بشار الأسد، وبالتالي هي ضمن المصنفة "تنظيمات إرهابية" التي تستهدفها الطائرات الروسية.

عدم التركيز على ضرب داعش أحد التعقيدات التي أفرزتها الخطوة الروسية العملاقة في تحديها لأميركا.

التعقيد الثاني سيكون في الخطوة الروسية التالية في ورطتها، وستأتي بعد إقحام قوات برية لمطاردة "الإرهابيين" بعد إنهاكهم بالضربات الجوية. فبغير هذا سيكون مفعول ما تقوم به يشبه الضربات الجوية التي ينفذها التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة منذ أكثر من عام. فالتحالف الخمسيني، أو الستيني، نفذ آلاف الطلعات دون أن يزحزح داعش من مكانها في مناطق في سوريا. ربما كان الاستثناء الوحيد في عين العرب ـ كوباني، لكن بمساعدة من قوات حماية الشعب الكردية، على الأرض.

التعقيد الثالث هو الإرباك الذي خلقته معركة "اللطامنة" في حماة، الأربعاء، وما تم وصفه بمقبرة الدبابات، عبر تدمير 18 دبابة، عدا العربات، وقتل وأسر عشرات الجنود ربما يكون من بينهم إيرانيون وروس في أخبار لم تؤكدها مصادر مستقلة.

في ظل هذه المستجدات، كادت قصة منطقة الحظر الجوي في شمال سوريا، وجنوبها، أن تكون تاريخاً بعيداً، بالرغم من أن آخر ذكر لها لا يبعد عنا سوى شهور قليلة على ألسنة قادة تركيا من الكبار، وبتفاهم قيل إنه تم أميركا والحلف الأطلسي، في مقابل سماح تركيا باستخدام التحالف لقاعدة إنجرليك. وكان في نية تركيا في آخر مرة تم فيها الحديث عن هذا الموضوع إقامة منطقة عازلة بين جرابلس وأعزاز، بامتداد 90 كيلومتراً وعمق 34 كيلومتراً.

أصبحت القصتان بلا جذور، أو آفاق، مع تحليق الطائرات الروسية في سماء منطقة الحظر الجوي المفترضة، وفوق المنطقة العازلة المفترضة أيضاً.

وأكد ذلك، في صراحة تقوم مقام الوقاحة، نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف "إقامة منطقة عازلة انتهاك للسيادة السورية" (الإثنين 5 أكتوبر/ تشرين الأول 2015).

ربما كانت روسيا صادقة في ما كررته مراراً على ألسنة دبلوماسييها أنها غير متمسكة بشخص بشار الأسد، لكنها كاذبة حتماً في ادعاء بقاء مؤسسات الدولة السورية. فالمصالح الاستراتيجية لروسيا في سوريا، والمنطقة، تستدعي وجود دولة هشة تابعة، ولا نظام يحقق لروسيا ذلك مثل نظام بشار الأسد.

في القلب من توقعات الحرب والسلام بين تركيا وروسيا، العلاقات الاقتصادية بين البلدين، فتركيا تستورد 58% من احتياجاتها من الغاز من روسيا، و20% من هذه الاحتياجات من إيران.

يضاف إلى ذلك الاتفاق التركي الروسي بإنشاء مفاعلات نووية بكلفة عشرين مليار دولار. وآفاق لزيادة التبادل التجاري بين البلدين بحيث يبلغ 100 مليار دولار في عام 2023.

هنا، سيقول المتابع إن روسيا تدافع عن مصالحها وأسواق غازها، خشية من انتقال أوروبا وتركيا للاعتماد على الغاز الخليجي، والقطري خاصة.

في هذا القول جدارة، لو لم تكن الولايات المتحدة تعرف هذا القول قبل أن نتلفظ به نحن محللي الصحف.