الكلّ ابرياء ووطنيون فمن الذي سرق الوطن؟

يمضي "مشتاق" وقته منذ خمس سنوات في العمل في احد المطاعم في شارع ابو نؤاس الشهير حيث شواء السمك المعروف بالمسكوف وهي الطريقة العراقية التقليدية المتوارثة في شواء السمك على الحطب.

وهو يهيل الجمر على مزيد من السمك الطري لا ينسى ابدا ان الحظ لم يسعفه في الحصول على وظيفة تليق بتخصصه الجامعي فلجأ الى هذه المهنة بينما يشاهد ضيوف المطعم بسياراتهم السوداء المصفحة وحماياتهم وسلاحهم العاري المشهر في الوجوه وهم ليسوا اكثر كفاءة منه بل ان كثيرا منهم اميون ساقتهم اقدار المحاصصة الى هذا الجاه والسلطان والنعيم.

ثم ما يلبث ان يكرر مشتاق لازمته : كلما اردت ان انسى سرقات السراق من خيرات الوطن يذكرني شارع ابو نؤاس بالقصة، ففي هذا الشارع امضي قرابة 14 ساعة هي مدة عملي ليلا ونهارا في هذا المطعم ولهذا اتذكر جيدا كيف تم اعماره ولفلفة سرقاته سريعا بشجيرات وتبليط ارصفة بنوع من الحجارة لا تصلح للبيئة العراقية استوردت بمبالغ طائلة من الخارج.

مشتاق يشخص لك كثيرا من علامات هذا الشارع الجميل التي تدل على تلك السرقات التي لا يعرف من هم ابطالها لكن وبالرغم من كل ما بُذل لتجميل ذاك الشارع الا انه ظل شبه مهجور ماعدا مطعمين او ثلاثا تخصصت في شواء السمك وبذلك خفت او ماتت حركة الحياة من ناحية العائلات والشباب عن هذا الشارع ولم يستمتع بحدائقه احد منذ زمن.

يؤكد مشتاق ان ليس له في هذا الوطن حصة ابدا، فهو ما زال يسكن مع عائلته في بيت مستأجر، حيث تركت الحكومات المتعاقبة اجيالا بأكملها ينهش بها غول انعدام السكن وارتفاع الايجارات فطيلة 13 عاما لم يُتخذ اجراءً واحداً فعالاً واحداً لانقاذ العائلات الفقيرة والمتوسطة من تلك المعاناة بالرغم من الانشطارات الهائلة للعائلات بفعل الزواج والانجاب، وكذلك لا يجد مشتاق سببا واحدا كي لا تدعم الدولة سعر الدواء للامراض المزمنة حيث عليه ان يشتري ذلك الدواء بانتظام لوالده المسن المبتلى بتلك الامراض كارتفاع ضغط الدم والسكري.

ومشتاق يرى في كل يوم ذلك الحي الفقير الذي يسكن فيه وهو يتآكل وتتكدس النفايات في الازقة ولا يجد الاطفال ملعبا نظيفا يمضون فيه وقت لهوهم فضلا عن شكوى تتعلق بالعمر الذي يمضي سريعا بلا زواج ولا استقرار ولا مسكن آمن.

حالة مشتاق ماهي الا حالة اعداد غفيرة بل جيل كامل لفظه موج الواقع العراقي الى دروب الحياة ولكن من دون امل ولا ملامح واضحة للمستقبل، ولهذا فإن مشاعر الاحباط المريرة تجدها حاضرة، في وقت تسمع صراخ المتصارخين بهتاف واحد: آن وقت الحساب، فالشعب يريد ان يقتص ممن سرقوا قوته وقوت عياله واثروا سريعا على حسابه، والشعب يريد ان يحاكم اولئك السراق علانية وتسترجع السرقات منهم وتعاد الى خزينة الشعب.

يعلنها رئيس الحكومة صريحة ان في خزانة الدولة ثلاثة مليارات شهريا فيما عليه ان يسدد 15 ملياراً لشركات النفط شهريا ايضا، ويقول انه تسلم ميزانية الدولة شبه خاوية ويقول ايضا ان زمن القائد الضرورة الذي كان يوزع الهبات على التباع والمريدين قد ولى.

هنا يستشيط من يلامسهم مجرد الاتهام البسيط وتثور ثائرتهم، فرئيس الحكومة السابق اصابته الكلمة في مقتل بعدما اشيع ان مقولة القائد الضرورة تخصه هو لما اقترفه من كوارث دمرت اقتصاد البلد تدميرا شبه كامل بسبب الجهل الكامل في ادارة الدولة وبث الاتباع والسراق في كل مفاصل الدولة في مقابل شراء ولائهم وهي خطة سرعات ما افتضحت وانقلب السحر على الساحر ولهذا سارع الى ارسال اتباعه من البرلمانيين ليلقوا خطبة عصماء يعلنون فيها رفضهم للاتهام ويطالبون رئيس الحكومة بتوضيح من يقصد بكلمة القائد الضرورة.

المصانون الرفيعون غير المسؤولين الذين لا يأتيهم الباطل ولا سؤال السائلين من بين ايديهم ولا من خلفهم هم جميعا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في عراق اليوم فهم مثل اباطرة وملوك القرون الوسطى لا يمسهم احد، النجاح يحسب لهم واما الفشل والخراب فيُرمى على خصومهم واعدائهم حتى ولو كانوا هم انفسهم من اقترف تلك الفضائع.

المصانون الرفيعون الذين كانوا يرون نهب المال العام والجرائم والخراب وكل اشكال الانحطاط ويكذبون على الشعب ويمنّونه بالوعود العرقوبية هم جميعهم الذين لا يمكن لأحد مساءلتهم ولا حتى نقاشهم ولهذا فأن اصوات المتظاهرين والمطالبات الشعبية ليست الا هواء في شبك ومقولة انا وما بعدي الطوفان تنطبق عليهم اذ ان لسان حالهم يقول اذا ما تم استهدافي فسأفضح الجميع وادمر العملية السياسية بل قيل ان بعض اولئك الاباطرة يستعد لانقلاب مستخدما اتباعا ومليشيات واذنابا عشائرية اذا ما تمت مساءلته او محاكمته..

يتساءل "مشتاق" التائه ما بين النار والدخان، يا ترى من هو السارق اذا كانوا كلهم مناضلون ووطنيون وشرفاء وكما يسميهم العراقيون "خوش اوادم" فمن سرق الوطن اذن؟ من سرق اعمارنا ومستقبلنا ومستقبل الاجيال؟

من الذي اوصل البلاد الى الافلاس او الى حافة الافلاس وهي اغنى البلاد في مواردها الطبيعية والبشرية؟ من جعل الشباب يلقون انفسهم في المهالك ويركبون قوارب الموت للهرب الى بلاد اخرى او يتعاطون حبوب الهلوسة او ينحدرون الى التطرف؟ من فعل كل ذلك بنا من؟ يتساءل مشتاق وكأنه لسان حال وصوت آلاف مؤلفة بل حتى ملايين من الناس الذين لا يجدون جواباً لهذه الاسئلة المحيرة.