صالة قِمار عراقية

كلما استحضرتُ صورة مجلس نُوّابنا، تخيلتُه مثل صالة قمار، والـ 327 نائبا ما هم سوى مجموعة مقامرين (كما في افلام الكاوبوي الأميركي)، كل واحد منهم إصبعه على زناد مسدسه مُتحسِّبا مُستَفَزا مُستعِدا ليقلب الطاولة في وجوه اللاعبين ولإطلاق الرصاص عليهم بمجرد إحساسه ان الأوراق التي بيده لا تؤهله للفوز أو تقلل من مكاسبه.

وكأية صالة في نادي قمار، هناك من يوزع الأوراق (القوى الخارجية) ووراء كل لاعب مَنْ يقف خلفه يغششه أو ينصحه بالانسحاب في الوقت المناسب (قيادات الكتل السياسية).

هذا بالضبط ما يجري في مجلس النواب العراقي عندما تُطرَح مشاريع القوانين، كما هو مشروع قانون الحرس الوطني هذه الايام.

في هذا المشروع بلغ الحال حد إصدار ميليشيا بيانا حذرت فيه البرلمان إنْ هو صادق على القانون. وتوعدت بـ "القصاص" كل من يصوت على تشريعه وإقراره.

الكتل النيابية بأحزابها المتعددة لديها أذرع عسكرية (ميليشيات). أما الكتل التي لا تمتلك ميليشيا، فلربما اتكأت على ميليشيات أخرى مستفيدة من نتائج أعمالها الإرهابية وإن كانت لا تمت لها بصلة. لتبقى الكتل المستقلة من ليبراليين ويساريين وغيرهم من غير حماية وبالتالي من غير تأثير.

إنها مقامرة ما بين مافيات. فمن لا يتمكن من تصفية حساباته داخل الصالة ربما بسبب قواعد اللعبة، بإمكانه فعل ذلك خارجها. في الأزقة الضيقة قريبا من مكبات النفايات والسواقي الآسنة.

مَنْ يوزع الورق (القوى الخارجية)، هم وحدهم بيدهم - عندما يتفقون أو يتقاسمون الأرباح (المكاسب)- تشريع القوانين التي تخدم مصالحهم أو في الأقل، التي لا تهددها.

نحن في زمن التحولات الكبرى حيث الدول الصغيرة (ليست بالضرورة محدودة المساحة قليلة السكان)، قرى لا تستحق أن يديرها سوى المخاتير وفق إرادات القوى (الدولية – الإقليمية) المهيمنة.

الحديث عن الإستقلال واستقلالية القرار أضحى من الماضي و"حديث خرافة". مجرد نغمة تدغدغ عواطف الشعوب المغلوبة على أمرها.

في العراق، لا تستطيع قواه السياسية ولا حتى جيشه اتخاذ قرار من مثل انتزاع مدينة كالفلوجة من براثن "داعش" ولهذا تتعطل الحركات العسكرية وتُرَحّل مواعيد الهجوم إلى أوقات غير معلومة.

القرار سوف يأتي من الخارج عندما يتفق الكبار.

صار الحديث عن الاستقلال والسيادة يثير السخرية، كما يحصل عندما يصرح بذلك المسؤولين.

في العراق، برلمان ولكن ليس ليمثل الشعب وطموحاته. إنما من أجل تمرير مصالح القوى الدولية والإقليمية، وشرعنة تلك المصالح لتبدو وكأن الشعب هو من يريد ذلك.

لماذا كل هذا الإسراف في استخدام كلمتيّ السيادة والاستقلالية في خطابات وتصريحات وبيانات المسؤولين لدينا لو لم يكن معناه شعورا باطنيا بعدم وجودهما على أرض الواقع؟

الشعب ادرك بعد سنوات ناهزت العقد أن ما يجري في العراق من اقتتال إنما يجري بالنيابة عن تلك القوى الخارجية. وأن البلاد فقدت استقلالها وسيادتها.

وقد يكون ذلك أحد الأسباب التي تدعو الشباب اليوم إلى الهجرة نحو بُلدانٍ، (السيادة، الاستقلال، الديمقراطية، الحرية) فيها ليست مجرد كلمات تقال من أجل المزايدات السياسية، بل هي سلوكيات وقِيَم ونمط حياة وثقافة.