واشنطن تداري 'فضيحة' الفشل في تكوين جيش سوري جديد

تاه الذكاء الأميركي بين الواقع والطموح

واشنطن ـ اعلنت وزارة الدفاع الاميركية الثلاثاء أنها سوف تتوقف لفترة عن تدريب وتجهيز مقاتلي المعارضة السورية، وذلك حتى مراجعة هذا البرنامج مع النتائج التي حققها.

ويقول مراقبون إن واشنطن تشعر بالإحباط واليأس الشديدين من فشل تجربة تشكيل جيش سوري "معتدل" في مهدها، الأمر الذي سبب لها حرجا شديدا في الداخل والخارج، وذلك بعد أن تحولت التجربة إلى مثار للتندر من لاواقعية واشنطن بخصوص هذا البرنامج التأهيلي للجيش السوري الجديد.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) الثلاثاء ان الولايات المتحدة توقفت عن ارسال مجندين جدد من ساحة المعارك في سوريا للتدريب خارج البلاد مع اجرائها مراجعة لبرنامج الجيش الاميركي لتشكيل قوة من مسلحي المعارضة المعتدلين.

وقال المتحدث باسم البنتاغون بيتر كوك "لقد توقفنا لبعض الوقت" في نقل مجندين الى مراكز التدريب في تركيا والاردن.

لكن محللين يقول إنه لا يبدو توقفا وقتيا حقا، وإنما هذا الإعلان هو مقدمة للتوقف نهائيا عن التجربة لا سيما وأن جميع التقارير العسكرية الداخلية قد أكدت على استحالة نجاح تكوين جيش سوري معتدل بينما البلد بات منقسما عمليا الى صفين "بالغي التشدد في الدفاع عن موقفهما"، هما صف النظام المتمترس خلف ما بقي له من قوة عسكرية مدعوما بالمليشيات الشيعية القادمة من كل حدب وصوب وأهمها حزب الله البناني، وصف ثان يتكون في غالبيته المطلقة من متشددين إسلاميين مستعدين للقتال الى النهاية.

ويضيف المحللون أن الخبراء العسكريين الأميركيين انتهوا أخيرا الى قناعة بأن هذا الجيش السوري الجديد مآله الفشل حتى في صورة الانتهاء من تجهيز الـ5 آلاف جندي المفترضين، فمابلك والحال ان المقاتلين المتشددين قد منعوا فعليا هذا الجيش من التواجد على الأرض ولو كنواة أولى له.

ويؤكد هؤلاء المحللون أن واشنطن سارعت إلى مدارة فضيحة مدوية كشف عنها الفشل الذريع لهذا البرنامج، مع الحرص على عدم الإسهاب في الاعتراف بالفشل وحاولة ايجاد مبررات "معقولة" لـ"وقفه مرحليا".

وأعلن البنتاغون الأسبوع الماضي أن مجموعة من مقاتلي المعارضة السورية دربتها الولايات المتحدة، سلمت ذخائر وست سيارات بيك-آب وقسما من أسلحتها لجبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، لقاء السماح لها بالمرور دون التعرض لها بحسب ما قال المقاتلون.

وقال الكولونيل باتريك رايدر المتحدث باسم القيادة الوسطى التي تشرف على الحملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا "في حال كان الأمر صحيحا فإن التقارير عن قيام عناصر في القوات السورية الجديدة بتسليم معدات إلى جبهة النصرة مثيرة للقلق للغاية وتشكل انتهاكا لقواعد برنامج تدريب وتجهيز" مقاتلين سوريين.

وأضاف رايدر إن آليات البيك آب والأسلحة تمثل حوالي 25 بالمئة من التجهيزات التي سلمها الائتلاف الدولي بقيادة الولايات المتحدة إلى وحدة المقاتلين.

ويتعارض هذا الإعلان مع تأكيدات سابقة للبنتاغون نفى فيها معلومات تم تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي، ومفادها أن معارضين سوريين دربتهم واشنطن وسلحتهم إما انضموا إلى جبهة النصرة أو سلموها أسلحتهم.

ويقول مراقبون إن واشنطن تبدو وقد تسرعت كثيرا ولم تقم بحسابات دقيقة كـ"العادة" قبل الإقدام على التفكير في هذا الحل "السوريالي" والبحث عن سوريين معارضين "معتدلين لتدريبهم ضمن خطة تكوين الجيش المعتدل.

وإضافة الى الانتقادات الداخلية للبرنامج، سخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من الخطط الأميركية لتدريب 5 آلاف و400 من مقاتلي المعارضة السورية لقتال الدولة الإسلامية.

وقال "تبين أن 60 فقط من هؤلاء المقاتلين تلقوا تدريبا ملائما ولا يحمل سوى أربعة أو خمسة أشخاص السلاح".

ومضى يقول "فرّ بقيتهم بالأسلحة الأميركية لينضموا الى تنظيم الدولة الإسلامية".

وواجه البرنامج مشاكل منذ بدايته مع تعرض بعض افراد المجموعة الاولى التي ضمت أقل من 60 مقاتلا للهجوم من جبهة النصرة جناح القاعدة في سوريا، في الظهور الاول لهم في ساحة القتال.

وكان من المقرر ان يشمل هذا البرنامج لتأهيل وتجهيز مقاتلي المعارضة السورية الذي بدأته الولايات المتحدة مطلع العام مع 500 مليون دولار، حوالي خمسة الاف مقاتل سنويا لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا.

ولكنه لم يشمل حتى الان سوى مجموعتين من 54 و70 مقاتلا، حسب ارقام البنتاغون ولم تسلم المجموعتان من هجمات جبهة النصرة التي ترى فيهم قوات "عميلة وجبت مقاومتها مثل قوات نظام بشار الاسد.

وتعرض أول فوج من المقاتلين المتخرجين من هذا البرنامج وكان عددهم 54 لهجوم شنته جبهة النصرة في تموز/يوليو ولا يعرف البنتاغون بشكل مؤكد ما الذي حل بهم جميعا باستثناء واحد منهم تأكد مقتله.

أما الفوج الثاني الذي ضم حوالي سبعين مقاتلا فأرسل إلى سوريا في نهاية الأسبوع الماضي وسرت تقارير على تويتر بعيد عودتهم تفيد بأنهم أما انضموا إلى جبهة النصرة أو سلموا معداتهم.

وكان الجنرال الأميركي الذي يشرف على الجهود ضد تنظيم الدولة الإسلامية، أثار الأسبوع الماضي ذهول أعضاء لجنة القوات المسلحة في الكونغرس لدى مثوله أمامها، إذ أعلن صراحة أن عدد المقاتلين الذين دربتهم واشنطن لا يتجاوز حاليا الخمسة في سوريا، مبديا عجزه عن تشكيل قوة عسكرية سورية فاعلة، قادرة على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية.

ويشكل هذا التطور انتكاسة جديدة لمصداقية هذا البرنامج الذي أطلقته الولايات المتحدة في مطلع العام 2015.

وقال قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط الجنرال لويد أوسن خلال جلسة المساءلة أمام اللجنة برئاسة الجمهوري جون ماكين إن "الموجودون حاليا في ساحة المعركة.. أربعة أو خمسة"، ما حمل السناتور الجمهوري جيف سيشنس على الإعلان "أنه فشل كامل".

وعلى الرغم من المشاكل، قال البنتاغون ان البرنامج مازال نشطا وان عملية التجنيد والتدريب مستمرة.

وقال المتحدث باسم البنتاغون بيتر كوك "ونحن نراجع البرنامج أوقفنا التحريك الفعلي للمجندين الجدد من سوريا".

واضاف "نحن نواصل ايضا تقديم الدعم للقوات الحالية على الارض وتدريب المجموعة الموجودة حاليا في البرنامج".

ويصطدم برنامج التدريب في سوريا منذ إطلاقه بمشكلة اختيار الأشخاص المناسبين للمشاركة فيه.

فقد وضع البنتاغون مواصفات مشددة للغاية لاختيار الأشخاص المهيئين للمشاركة في التدريبات ما أدى إلى استبعاد الآلاف الذين قدموا أسماءهم.

كما أن واشنطن أكدت أن المتدربين سيقاتلون حصرا تنظيم الدولة الإسلامية، ولن يقاتلوا نظام الرئيس السوري بشار الأسد ما ثنى العديدين عن التقدم للمشاركة فيه.