'الضوء يسرق ظلي'.. مساحة واسعة من التأويل

ايها العاشق الماجن...

الدكتور علي حسون العيبي شاعر مازال يبعث فينا الامل والقوة والعنفوان البطولي، وهو يصول بالكلمات الى سواتر العواطف والمشاعر والاحاسيس بما يمتلك من أسلوب رشيق عامر بجماليات وفكر رصين محيط بالمعارف والعلوم والخبرة والتجربة العميقة المؤمنة أن اللغة ومرفقاتها هي وسيلة التعبير الطبيعية عن الافكار والمعاني، بل هي اقصر المسافات التوصلية على الاطلاق.

الدكتور العيبي يسيل رقة وعذوبة وطراوة ومتعة ومذاقه الشعري له طعم خاص ومشهياته لها مركبات تتناسل وتعطي نتائج مخلوقات ملونة بألوان قوية براقة زاهية بالمحسنات والاشارات واستعارات وتجويد الكلمات وتقليبها على أوجه مختلفة وتعاكس وتضاد يحقق فيه ذروة المؤثرات الشعورية والقدرة على نقل الفكرة والعواطف والاحاسيس نقلا صحيحاً صادقاً ومطابقتها لمعايير التكامل بين الايحاء والتنوير الفكري والعقلي الذي يقودنا الى اخراج نص خال من عيوب الترهل والمباشرة والسرد والتطويل في افتضاح الفكرة بما يفقد بريق الشحنة الشعريه والشعورية على حدا سواء لاننا ننشد المتعة والاثارة المبنية على التفكير بهموم الناس والتحريض على تلبية حاجاتهم بقوة ما ثارت فينا من احساسات وانفعالات تلهب خيالنا وتستجيب لكل دواعي الحياة بشعور صادق معبر نحس به ونتلمس مواجعه لفيض فكره والشعور الذي يتدفق في مخلوقاته الشعرية التي صارت سمة مميزة للشاعر الدكتور علي العيبي مقرونة بالجمال والحيوية والتناسب والانسجام برغم الذاتية البائنة في النصوص.

ولكن احسبها هي ذاتية الانا الجمعية والتي تتحول شيئاً فشيئاً محسوسات حياتية طرفها المجتمع بما يثير فينا من خصائص تعكس ودائع روحه التواقة الى التنفس خارج قيود الاستفهامات المجهولة الى عالم مرخي يخاطب الارواح بدون وسائط مصطنعة الا وسيلة العواطف والامل والجمال، ولهذا كان شعراء العرب يعتقدون ان لكل شاعر شيطانا ينفث فيه الشعر ويقول احدهم: "شيطانه أنثى وشيطاني ذكر" وخلط العرب بين النبي والشاعر فسموا النبي شاعرا أحيانا وكاهنا احيانا اخرى.

"الضوء يسرق ظلي عنوان" يحمل مساحة واسعة من التأويل على سبيل الاستدلال اذ جاءت في نسق ينسجم تماما مع التجنيس بتوالي النصوص في الديوان فهي ليست عنوان مجرد بل جاءت ضمن معطيات جامعة شاملة ترتفع بنصوص وتجسد التجربة وترتفع بمستواها الابداعي.

بدأ الكتابة وهو في سن العاشرة من عمره ونشر اول نص له في مجلة مختصصة في أدب الاطفال.

صدر له ثلاثة دواوين في اوقات متباعدة: بعينه يقذف القمر 1997، وحلم ابيض عند اسوار بغداد 2001، وأخيرا الضوء يسرق ظلي 2015.

امتازت نصوصه بالدقة في اختيار الشكل الشعري وبسعة الخيال وأصبحت قصائد الغزل تغزل معها الهم الاجتماعي والقومي، وأحسب هو من أنصار القومية واستمد موضوعاتة من أنينها ولهيب الاحداثها المريره وجاء نص:

انتبهوا ... ثمة زمن آخر قادم

المفآجات كثيرة ..

ضعوا حناجركم في صندوق أسود..

التاريخ الملوث بالمكائد والفتن يصنعه السادة المفسدون ..

او وطنيون ساذجون

وحين يرتفع دخان المدن ...

ومن خلال هذه النبرة المؤلمة الشجية استوحى الشاعر شكله الشعري الثوري والتي اعطاها تدفقا حارا اغنت تجربته والهمته زخما جديدا اكسبته هذا المد السماوي ونماء والحيوية لمحاكاة الحياة واستخراج همها الباطني كي يتمظهر على ما هو ظاهري وهو يلوج في ابعاد الحب الى اقصى خفاياه.

أتسرب مثل الماء ... بين خفاياك

أتوسد قلبي ..

شريانه الممتد اليك..

أحوم بين ظلك وانت ..

أغازلهم معا ...

احتضن بقاياهم المتعرشة وسط الروح ..

تنتابني لذة قصوى..

فأذوب مثل الثلج وسط النيران ..

وعمل الشاعر على خلق بيئة قرائية تنقل القارىء الى آفاق جديدة من تجربته الشعرية ويكشف لنا ما يتصل بالعالم والاصوات والتمتمات المصاحبة من حيث بنائها السايكولوجي والذي يتناغم مع الاصوات المخنوقة المكبوتة، فكان ذلك إيذاناً بمرور المس الرومانسي والذي جعل من النص مجازية تنبض بالحياة وتؤجج من ضوئية الاستجابة لمقاصد الشاعر وجاء نص.. لم تهرب اللحظات؟ وتخفت أناشيد الطفولة:

وانا الذي يحمل أمنيات كثر..

في المدن التي لا تنام بدون كوابيس..

ووسادتي امتلأت بوجع لا ينتهي..

قد تغمرني الجميلات بأنوثتهم ..

أو بريق الانوار من ناطحات السحاب ..

لم يتخلص الشاعر من الحزن الذي لازمه حتى النهاية وهو يطوف مع شهرزاد الى الليالي الممتلئة وما انطوى عليها من حوادث تركت الموروثات جانبا وراحت تبحث عن نفسها حين شبت في روحها النار تعكس صورة حية لحقيقة حكايات مازالت تنتعش في وقارها:

وغفى شهريار سعيدا..

هل شاهدت الليالي الممتلئة بالنجوم الكئيبة ..

السياف خلف القصر شاهرا سيفه ...

لن يشفع لك بشاشة وجهك ...

وشعرك الطائر مع الريح..

شهرزاد لا تصمت ..

أنشدت للسلطان الماجن..

وهكذا يتصاعد المد العاطفي عندما لا تجد مفر الا ان تخاطب المعشوق وتمر دونما يمسها ويحتل قدسية ارضها الا بالهمس اللذيذ والصوت الغريد:

ايها العاشق الماجن...

الحب والخيانه يتقاسمان بقايا الزمن الهارب ...

غادر حلمك مع شبق الاحلام ...

لم يعد الليل مختفيا ...

يسرق ابتهاج النهار ...

وانت ايها الجسد لم تعد تقوى المسير ...

الاجراس تدق نشيد الهرب. ..

انقرضي ايتها الاقنعة الخرساء ..

يتوالى صوت الشاعر ولم ينقطع بل كأنه يخلق من الهمس والشعور ولادات تسعى الى مساكن القلوب الحائرة وتمن عليها بسكينة لان ديمومة السكينة تحمل رمزية الأمان والطمأنينة والاستقرار وما احوجنا ان يستلهم الشاعر هذا الكنز المنسوج من حلاوة عين الخيال الشعري:

لن تطول ..

كل شيء ينتهي ..

الا هذا الدم المسفوك في بلاط السلاطين ..

باق مثل لوحة سريالية هرمة..

ويبدو ان الشاعر يعيش في وطننا يعيش التأوهات حتى النخاع وترجم الكثير من نصوصه واستخلص معانيها من ذلك الهم الجارف والسيل العارم الذي كسي مرحلة تاريخيه مهمة من حياتنا جعلته يركن في زوايا يتعاطف مع البكاء على أطلال وطن منكوب مفجوع انتهت باندحار الابتسامة وتقمط باقمطة الحزن وجاءت قصيدة أمي اذ يقول:

الريح تعزف أناشيد الرحيل ...

ترجل الصيف يحمل أسراره... بعيدا..

يحكي خفاياه ...

ثوب بالي ..

مهفة يدوية ...

ابريق ماء ... سالت برودته ..

وظل شجرة وارثه..

وشريط ذكريات.

ويقول في نفس النص:

امي ليس كباقي الامهات...

انها ملكة تاجها الحنان...

وكم هائل من الصفات ..

أمي تذبل كنخله قل مائها الماء ..

هناك عند ملكوت السماء..

حاشاه... ان لا يبلل ريقها.. لتعيش..

يمنح الشاعر الحسون نفسه مملكة عرشها السماوات والارض فهو اداة مرنة تنال تصويباته صيد سمين من عرين الفرح والحزن متعة قرائية الفحت نفوسنا المتعة والسرور في وسيلة الابلاغ عن شخوصه المتحركة المتواشجة هو شكل المجتمع ورموزه المختلفة.

وبقي أن اقول إن الدكتور الحسون تجربة مهمة تستحق المتابعة والدراسة والتمعن في نتاجه وبأسلوبه الأنيق المهذب مما اصاب اهدافه ونال جائزة الاعجاب الفيصلي رغم اني اشعر اني اقل ما اعطي اعجاب بشاعر بوزن الدكتور علي حسون لعيبي.

فيصل فيصل - العراق