الدولة الإسلامية تستخدم 'الجناح الدعوي' للتمدد في تونس

حرص أمني كبير على تفكيك الخلايا النائمة

توصلت الأجهزة الأمنية التونسية إلى الكشف عن مخطط يقضي بتوسيع نشاط جهاديي تنظيم الدولة الإسلامية إلى داخل البلاد قادمين من معسكرات تقع في الصحراء الليبية وإلى الكشف عن شبكات سرية متخصصة في تجنيد الشباب والفتيات ضمن خلايا تابعة للتنظيم تنشط في إطار "الجناح الدعوي" الذي يتولى استقطاب الشباب وتجنيده ومبايعة التنظيم الذي تناسلت خلاياه خاصة في مرتفعات الجبال وفي عدد من مناطق البلاد من دون أن يتمكن من تركيز تنظيم هيكلي نتيجة الجهود التي تقودها قوات الأمن ووحدات الجيش والتي أفضت إلى تفكيك عشرات الخلايا وشل قدرتها على "التوحد في إطار تنظيم هيكلي.

وقالت مصادر أمنية إن جهاديين لتنظيم الدولة الاسلامية فشلوا في "تركيز تنظيم هيكلي" يجمع عددا من الخلايا المنتشرة في عدة مناطق من البلاد ودلك نتيجة الجهود التي بدلتها وحدات الجيش وقوات الأمن خاصة خلال الأشهر الأخيرة وهي جهود ضيقت الخناق عن الخلايا الجهادية ومزقت النسيج التنظيمي وفككت بناه وباتت تلك الخلايا عبارة عن مجموعات مشتتة تفتقد لأية قناة اتصال فيما بينها الأمر الذي دفع العشرات من الجهاديين إلى التسلل إلى داخل ليبيا.

غير أن تلك المصادر أقرت بأن الخلايا التابعة لتنظيم الدولة ما انفكت تتناسل في عدد من مناطق تونس نتيجة "وجود شبكات متخصصة" في استقطاب الشباب والفتيات مستفيدة من انتشار الفكر الجهادي مشددة على أن عمليات الاستقطاب أخذت نسقا تصاعديا على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقتها الخلايا الجهادية خلال الأشهر الماضية وفي مقدمة تلك الخلايا "كتيبة عقبة بن نافع" التي تم تدمير 90 بالمائة منها.

وتقر السلطات الأمنية التونسية بأن تنظيم الدولة يحظى بتعاطف الآلاف من الشباب نتيجة استفحال الخطاب التكفيري الجهادية وغياب خطاب ديني يروج للوسطية والاعتدال حيث أعلنت تلك السلطات أنها منعت 15000 شاب وفتاة من السفر إلى سوريا والالتحاق بمقاتلي التنظيم.

وخلال الأسابيع الماضية كشفت الأجهزة الأمنية أثناء ملاحقتها للخلايا الجهادية "وجود أشرطة فيديو لمبايعة أبوبكر البغدادي تورط فيها العشرات من الشبان والفتيات من بينهم طلبة بالجامعات الأمر الذي ضاعف من عدد الجهاديين في عدد من مناطق البلاد سواء في مرتفعات الجبال أو في المدن.

وتشدد المصادر الأمنية على أن عمليات الاستقطاب هي "عمليات ممنهجة" تتم من خلال "شبكات سرية متخصصة" تنشط ضمن ما يسمى لدى تنظيم الدولة بـ"الجناح الدعوي" الذي يتولى استقطاب الشبان والفتيات عبر "عملية غسل دماغ" في مرحلة أولى وتجنيدهم في خلايا في مرحلة ثانية بعد إعلان مبايعتهم للتنظيم وقبل "تسفيرهم" إلى سوريا عبر الحدود الجنوبية الشرقية مع الجارة ليبيا في ظل حالة الانفلات التي يشهدها المثلث الصحراوي والدي يعد معقلا للتنظيمات الجهادية نظرا لغياب أي جيش نظامي.

ووفق اعترافات جهاديين أدلوا بها خلال تحقيقات الأجهزة الأمنية معهم توجد شبكة جهادية مختصة في تونس الحصول على أشرطة فيديو تحتوي على "مبايعة الجهاديين" تتراوح مدتها بين 30 و40 ثانية يعلن خلالها العنصر الجهادي مبايعته لأمير تنظيم الدولة أبوبكر البغدادي كما يتعهد بأنه واحد من "جند الخلافة" مستعد للقيام بأية "غزوة" على "الطواغيت" مهما كان نوعها.

وتوصلت الأجهزة الأمنية إلى أن خلايا تنظيم الدولة وعلى الرغم من تشتتها نجحت في استقطاب وتجنيد المئات من الشبان والفتيات لا فقط المنحدرين من الفئات الهشة المحرومة والأمية وإنما أيضا من طلبة الجامعات المتخصصين في علوم محددة مثل الطب والكيمياء والفيزياء بهدف استغلالهم في معالجة الجرحى وصناعة المتفجرات وتفخيخ السيارات.

وقادت التحقيقات إلى أنه بالإضافة إلى التحاق العشرات من الجهاديين بخلايا تنظيم الدولة نتيجة عمليات غسيل للأدمغة وإقناعهم بالفكر الجهادي يوجد عدد من الشبان والفتيات اضطروا إلى المبايعة خوفا من تهديدات عناصر الخلايا بعد أن تم توريطهم في معاملات تجارية ومالية.

خلايا جهادية مزروعة

وتوصلت الأجهزة الأمنية إلى أن تنظيم الدولة يعتمد على خلايا جهادية مزروعة في عدد من المنطق وخاصة في مرتفعات سلسلة جبال الشعانبي المحاذية للحدود الغربية مع الجزائر حيث يتحصن 80 بالمائة من الجهاديين أغلهم ينتمي لـ"كتيبة عقبة ابن نافع" التي تبنت عديد الهجمات على وحدات الجيش وقوات الأمن.

وتحت ضغط الجهود التي تقودها وحدات الجيش وقوات الأمن اضطر العشرات من الجهاديين التابعين لتنظيم الدولة إلى التسلل من تونس إلى ليبيا وإلتحقوا بمقاتلي التنظيم الذي بسط سيطرته على عدد من المنطق الليبية ودلك بمساعدة شبكات التهريب المتحالفة مع قيادات جهادية تؤمن لهم الوصول إلى الصحراء الليبية التي توجد بها ثلاث معسكرات تدريب خاصة بالمقاتلين التونسيين ويشرف عليها سيف الله بن حسين الملقب بـ"أبوعياض" أمير تنظيم أنصار الشريعة الذي يحظى بحماية الجماعات الجهادية الليبية المسلحة مند فراره من تونس العام 2012 .

وأدلى جهاديون تابعون لتنظيم الدولة خلال تحقيقات الأجهزة الأمنية معهم بالاعتراف بأنهم تسللوا إلى التراب الليبي مند شهر يناير 2015 وعادوا إلى تونس في شهر أوت 2015 وأقروا بأنهم تلقوا تدريبات عسكرية قاسية على فنون القتال واستخدام الأسلحة وخاصة منها "الكلاشنكوف".

وأحصت السلطات الأمنية خلال الأسابيع الأخيرة التحاق 100 شاب وفتاة بتنظيم الدولة في ليبيا بعد أن تمكنت من اكتشاف مخطط يقضي بتوسيع تنظيم الدولة إلى داخل البلاد.

وعلى الرغم من تواجد العشرات من الخلايا التابعة لتنظيم الدولة والمنتشرة في مختلف جهات البلاد فإن السلطات التونسية كثيرا ما اعتبرت تلك الخلايا معزولة عن بعضها البعض ولا تمثل "تنظيما" متكاملا يتحرك وفق خطط ترسمها قيادات تسللت إلى داخل تونس من خلال المعابر الحدودية الجنوبية مع ليبيا بعد أن تلقت تدريبات عسكرية في سوريا والعراق.

وتبدو السلطات التونسية اليوم أكثر وعيا وصراحة بأن الجماعات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم الدولة ما كان لها لـ"تفرخ" لولا وجود حاضنة اجتماعية تغديها حالة الغضب على الحكومة جراء تردي أوضاعها، ولعل هدا ما دفع بالحبيب الصيد إلى دعوة التونسيين إلى التهدئة الاجتماعية ومساندة الوحدات الأمنية والعسكرية من أجل التصدي للمجموعات الإرهابية مشددا على إن هذه الفترة صعبة وعلى التونسيين الالتفاف حول قوات الأمن والجيش لمساعدتها من خلال توفير المعلومات والإرشادات اللازمة حول تحركات الإرهابيين.

ويقول الخبراء في الجماعات الجهادية أن تنظيم الدولة في تونس مر بمرحلتين أساسيتين، بدأت الأولى عام 2013 حيث دفع التنظيم بالعشرات من مقاتليه التونسيين إلى العودة للبلاد بعد أن تلقوا تدريبات عسكرية وتمرسوا على أساليب قتال عالية، وبدأت المرحلة الثانية عام 2014 مع عودة عدد من قيادات التنظيم إلى تونس عبر الحدود الجنوبية الشرقية مع تونس.

ويضيف الخبراء أن تلك القيادات اتصلت بالمقاتلين الدين عادوا إلى تونس العام 2014 ونظموا صفوفهم في إطار خلايا موزعة جغرافيا توزيعا محكما بطريقة تشمل أغلب جهات البلاد وكذلك الأحياء الشعبية المتاخمة للعاصمة بما يساعدهم على القيام بعدة هجمات في نفس الوقت ويشتت جهود وحدات الجيش وقوات الأمن ويضعف من أدائها.

وفي بداية العام 2015 قال رفيق الشلي الوزير المكلف بالأمن أن وزارة الداخلية أحصت 500 مقاتلا من تنظيم الدولة عائدين من سوريا والعراق ونظموا صفوفهم في خلايا تنشط في عدد من مناطق البلاد.

غير أن الخبراء يقدرن عدد الجهاديين العائدين بأكثر من 1000 وشكلوا "نواة تونسية" لتنظيم الدولة بالتنسيق مع مقاتلين تونسيين يتولون مراكز قيادية متقدمة وخطيرة في تنظيم أبوبكر البغدادي يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي في اتصالاتهم مع "إخوتهم" في تونس للتنسيق بشأن الهجمات.

ويعلل الخبراء تحليلهم بأن نشاط الخلايا الجهادية خلال عامي 2012 و2013 كان ضعيفا حيث اقتصرت هجماتهم على عمليات "محدودة" في سلسلة جبل الشعانبي المحاذي للحدود الغربية مع الجزائر، لكن تلك العمليات شهدت تحولا نوعيا خطيرا بعد مبايعة تنظيم الدولة وعودة عدد من "القيادات" بداية العام 2014 حيث تم نقل الهجمات من الجبال إلى المدن بما فيها تونس العاصمة حيث نفذوا هجومين دمويين أولهما على متحف باردو في 18 مارس 2015 خلف 70 ضحية بين قتيل وجريح وثانيهما على فندق بمدينة سوسة الساحلية وحلف 38 فتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب.

ويبدو أن الجهود التي بدلتها الحكومة خلال الأشهر الثلاث الماضية في مكافحة الجماعات الإرهابية لم تقد إلى تفكيك نواة تنظيم الدولة وإنما قادت إلى تفكيك خلايا لم يكشف التحقيق معها لا على نواة التنظيم ولا على قياداته التي تتسلح بقدرات معقدة من التخفي والتنسيق اللوجستي فيما بينها يفوق قدرات وحدات الجيش وقوات الأمن وهو أمر أقر به الرئيس الباجي قائد السبسي حيث شدد على أن "مكافحة الجماعات الجهادية تتطلب تجهيزات تفوق إمكانات تونس".

قادت الجهود الناجعة التي ما انفكت تبدلها الأجهزة الأمنية ووحدات الجيش التونسية لمكافحة الجماعات الجهادية التي استغلت الأوضاع الهشة وتداعياتها الاجتماعية والأمنية على الرغم من غياب الإسناد السياسي الكافي إلى تفتيت الهياكل التنظيمية العنقودية لتلك الجماعات وتفكيك العشرات من خلاياها النائمة والحد من خطورة هجماتها حتى أنها باتت مشلولة وعاجزة عن تنفيذ أغلب مخططاتها التي تستهدف مؤسسات الدولة المدنية ونمط تدين المجتمع الأمر الذي قلل من مخاوف التونسيين من مخاطر الجهاديين ورفع من ثقتهم في المؤسسة الأمنية والعسكرية وفي نجاعة أدائهما.

وخلال السنوات الأربع الماضية التي تلت انتفاضة يناير 2011 والإطاحة بنظام الرئيس زين العابدين بن علي تسلحت الأجهزة الأمنية والوحدات العسكرية بالكثير من الشجاعة متحدية ضعف الإمكانيات وخاضت معارك شرسة ضد الجماعات الجهادية في مرتفعات سلسلة جبال الشعانبي المحاذية للحدود الغربية مع الجزائر وفي القرى والمدن الكبرى بما فيها تونس العاصمة نجحت خلالها في توجيه ضربات موجعة وفي الصميم مزقت نسيج بناها التنظيمية وشتت قواها حتى أنها باتت تمثل خلايا صغيرة منهكة ومعزولة.

غير أن الجهود الأمنية والعسكرية لمكافحة ظاهرة جهادية كثيرا ما تغذت من انتشار الفكر الجهادي ومن حالة الاحتقان الاجتماعي وهشاشة الأوضاع العامة وبنوع من "لاستخفاف" بلغ حد "التسامح" المريب من قبل الحكومات المتعاقبة، بدت تلك الجهود "مجردة" من الإسناد السياسي الكافي حيث اكتفت الأحزاب السياسية في الحكم وفي المعارضة بالتعبير عن تنديدها بهجمات الجهاديين سواء عبر "بيانات مقتضبة" أو عبر "تصريحات أكثر اقتضابا" وبدت وحدات الجيش وقوات الأمن كما لو أنها تقود معارك لا تعني الأحزاب السياسية التي لم تتوصل بعد إلى تعريف محدد وموحد لـ"الإرهاب".

وخلافا لما تهدف إليه الجماعات الجهادية اتخذ منسوب ثقة اتجاهات الرأي العام التونسي في المؤسسة الأمنية والعسكرية خلال السنوات الأربع الماضية نسقا تصاعديا حيث كلما اشتبكت وحدات الجيش وقوات الأمن مع الخلايا الجهادية كلما تمسك التونسيين أكثر بالمؤسستين باعتبارهما حصنا منيعا ضد "سطوة" تنظيمات تراهن على انهيار الدولة المدنية وتمزيق النسيج الاجتماعي بهدف الزج بالبلاد في حالة من الفوضى تستثمرها في بناء ما تقول "دولة خلافة" ذات مرجعية عقائدية مماثلة لتنظيم الدولة في سوريا والعراق.

ثقة كبيرة في الأجهزة الأمنية

وأظهرت أكثر من عملية سير للآراء أن نسبة ثقة التونسيين في الجيش وفي قوات الأمن مرتفعة جدا تلامس نوعا من الإجماع الوطني نظرا لنجاعة أدائها في التصدي لهجمات الجماعات الجهادية والحفاظ على السلم الأهلي وحماية التجربة الديمقراطية الناشئة حيث أظهرت عملية سبر الآراء تلك أن المؤسسة العسكرية تحظى بثقة 97 فاصل 6 بالمائة من التونسيين فيما تحظى المؤسسة الأمنية بثقة 87 فاصل 6 بالمائة.

ويرجع المحللون السياسيون ارتفاع نسبة ثقة التونسيين في المؤسستين العسكرية والأمنية إلى عدة عوامل وفي مقدمتها تبديد المخاوف التي تساورهم بشأن استفحال الفكر الجهادي حيث تظهر المقارنة بين نسبة ثقتهم في المؤسستين التي تفوق 90 بالمائة مجتمعتان وبين نسبة ثقتهم في الأئمة التي لا تتجاوز 51 بالمائة من جهة، وارتفاع نسبة مخاوفهم من الظاهرة الجهادية إلى 78 بالمائة ونسبة الدين يرفضون تسييس الدين وتديين السياسة إلى 56 بالمائة، تظهر المقارنة أن التونسيين "باتوا يلوذون" بالمؤسستين العسكرية والأمنية المحايدتين تجاه التجاذبات الدينية والسياسية و"يحتمون"بهما للنأي بالبلاد دولة وشعبا مخاطر فكر جهادي ما انفك يشحن شبابا عاطلا ومحبطا ذا ثقافة دينية هشة بفكر يحرض على اللحاق بالتنظيمات الجهادية.

وتتطابق آراء المحللين السياسيين مع مواقف الأئمة الزيتونيين الدين يشددون على أن "ظاهرة الاستيلاء على منابر المساجد من طرف جماعات جهادية تعد من أخطر الظواهر التي شهدتها تونس مند انتفاضة يناير 2011 باعتبارها فسحت المجال أمام تلك الجماعات لا لنشر فكر تكفيري جهادي غريب عن نمط تدين التونسيين المعتدل والوسطي فقط وإنما مكنتهم من زرع خلايا خطيرة تتولى جمع الأموال وتدعم الجهاديين في الجبال والقرى والمدن وتساعدهم على القيام بهجمات واستباحة دماء الجنود والأمنيين".

ويساند 72 بالمائة من التونسيين قرار أعلنه الحبيب الصيد رئيس الحكومة خلال الشهرين الماضيين بغلق 80 مسجدا خارجة عن سيطرة الدولة استولت على منابرها جماعات متشددة تكفيرية وحولتها من أماكن عبادة هادئة إلى منابر لنشر خطاب جهادي وإلى فضاءات آمنة لتجنيد الشباب في خلايا جهادية.

ويشدد أئمة جامع الزيتونة على أنه ما كان للظاهرة الجهادية أن تقوى شوكتها لولا "موجات فكر تكفيري جهادي" تغذى كثيرا من تأويل متشدد للإسلام روج له دعاة مشارقة "غزوا" تونس في أعقاب انتفاضة يناير 2011 بدعوات "معدة سلفا" و"ممنهجة" من قبل الجماعات السلفية التونسية التي تناسلت بشكل لافت لا يخلو من الريبة حتى أنه تسلل إلى المئات من منابر العشرات من المساجد بعد أن استولى عليها جهاديون يحضون على التكفير الناس وعلى العنف ويشجعون الشباب إلى السفر إلى سوريا للالتحاق بمقاتلي تنظيم الدولة.

وقاد انتشار الفكر التفكيري الجهادي خاصة في صفوف الآلاف من الشباب المنحدر من فئات اجتماعية هشة تفتك بها نسبة عالية من الأمية في الأحياء الشعبية والجهات الداخلية المحرومة التي قادت انتفاضة يناير 2011 خلال السنوات الأربع الماضية إلى دفع أكثر من 3000 شاب تونسي للالتحاق بتنظيم الدولة في سوريا والعراق يتبوأ العشرات منهم مراكز قيادية فيما أعلنت السلطات الأمنية أنها منعت بداية العام 2015 حوالي 15000 شاب وفتاة من السفر إلى سوريا للالتحاق بمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية.

ويلفت الأخصائيون إلى أّن اختزال أسباب انتشار الفكر التكفيري في التهميش الاجتماعي والفقر والبطالة فحسب وربطها بهذه المسببات فقط، ليس كفيلا بتفسير الظاهرة الجهادية الجديدة التي لم تشهدها تونس من قبل، فأغلب عناصرها تخرجوا من الجامعات ويحذقون التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي، ملاحظين أن حالة الفراغ السياسي وضعف أداء الأحزاب السياسية إضافة إلى "سطوة" و"انتشار الخطاب التكفيري في منابر العشرات من المساجد التي تستحوذ عليها الجماعات الجهادية هي عوامل أخرى غّذت بدورها "خطابا دينيا متشددا يكفر التونسيين كما يكفر الدولة المدنية الأمر الذي قاد إلى استهداف المؤسسة الأمنية والمؤسسة العسكرية باعتبارهما "طواغيت".

ويعلق الأخصائيون في الجماعات الجهادية على "تصدر تونس قائمة المصدرين للجهاديين بالتأكيد على أن "الخطاب الجهادي الذي يعكس هشاشة الثقافة السياسية المدنية ويؤشر على ظهور "ظاهرة جهادية جديدة تستخدم وسائل الاتصال الحديث للتواصل فيما بينها وفي تجنيد الشباب يمثل العامل الأساسي لاستقطاب الشباب" وهم يلاحظون أن "السطوة التي بات يمتلكها الخطاب الجهادي سواء في المساجد أو في مواقع التواصل الاجتماعي قويت في المجتمع في غياب خطاب سياسي مدني، إذ لا تمتلك الأحزاب السياسية خطابا قويا قادر على مواجهة الخطاب الذي تنتهجه الجماعات الجهادية".

ويشدد الخبراء العسكريون والأمنيون على أن مواجهة "خطر جهاديي تنظيم الدولة الذي تمدد خلال الأشهر الماضية في عدة مناطق من ليبيا وبات يسيطر على مناطق قريبة نسبيا من الحدود التونسية تستوجب "خطة إستراتيجية دفاعية شاملة عسكريا وأمنيا ودينيا تكون كفيلة بالرفع من جهوزية الجيش والأمن واسترجاع الدولة لهيبتها كما تستوجب وضع حد للخطاب التكفيري الجهادي الذي استشرى في العديد من المساجد وحرض الآلاف من الشباب على الالتحاق بالتنظيمات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم الدولة.