قائدالسبسي 'يثمّن' رضوخ حكومة الصيد لاتحاد الشغل

قانون المصالحة الاقتصادية من صميم الدستور

أعلن الرئيس التونسي الباجي قائدالسبسي أن حكومة الحبيب الصيد توصلت إلى "اتفاقية لإرساء السلم الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات" مع الاتحاد العام التونسي للشغل، المركزية النقابية، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، نقابة أرباب العمل. واعتبر أن الاتفاق يعد "عملا وطنيا سيمكن البلاد من فترة استقرار تساعدها على الخروج من الأزمة الخانقة التي تعاني منها مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011، ودافع بشدة على قانون المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال الأعمال لافتا إلى أن "من يعارضون مشروع القانون هم على الأرجح لم يقرأوا القانون، أو لديهم صعوبات في فهم النصوص القانونية".

وجاءت تصريحات قائدالسبسي في وقت ارتفع منسوب الاحتقان الاجتماعي نتيجة ضعف أداء الحكومة بشأن تقديم حلول عملية لمشاغل التونسيين وفي مقدمتها توفير التنمية والرفع من المقدرة الشرائية وتحسين مستوى المعيشة الأمر الذي دفع بـ73 بالمئة من التونسيين إلى التأكيد على أنهم غير راضين على الأوضاع الاجتماعية وبـ87 بالمئة إلى التشديد على أنهم غير راضين على الوضع الاقتصادي، فيما قال 62 بالمئة إنهم غير راضين على سير الأمور في البلاد، وذلك وفق أحدث عمليات سبر آراء اتجاهات الرأي العام.

وقال قائدالسبسي مساء الثلاثاء في حوار مع قناة "نسمة" التلفزيونية الخاصة إن الحكومة توصلت إلى "اتفاقية لإرساء السلم الاجتماعية" مع كل من الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية. ووصف الاتفاقية بأنها "تعد عملا وطنيا سيمكن من فترة استقرار" في البلاد من أجل المصلحة العامة التي تتجاوز المصالح الضيقة.

وخلال الأسابيع الماضية توترت علاقة الحكومة بالاتحاد العام التونسي للشغل على خلفية تعثر المفاوضات بشأن الزيادة في أجور العمال وموظفي الدولة الأمر الذي أثار "توجسا" لدى الرأي العام من أن يقود التوتر إلى تعميق الأزمة الاجتماعية وإلى نسف السلم الاجتماعية التي يتمسك بها التونسيون كأرضية لنجاح التجربة الديمقراطية الناشئة.

وساورت التونسيين "مخاوف" من أن يقود توتر علاقة الحكومة باتحاد الشغل إلى مواجهة بينهما، في ظل تمسك الاتحاد بالدفاع المستميت على حقوق الأجراء وعلى تحسين مقدرتهم الشرائية من جهة، ورفض الحكومة الزيادات في الأجور نظرا لندرة الإمكانيات المادية غير أن موافقة الحكومة الثلاثاء على الرفع من رواتب موظفي القطاع العام الذين يناهز عددهم 800 ألف موظف خففت مخاوف التونسيين، حيث رأوا في تلك الموافقة خطوة هامة باتجاه التخفيض من حدة ارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي.

وأكد قائدالسبسي أن الدولة "تحترم تعهذاتها بشأن اتفاقية الزيادة العامة في الأجور". وأضاف أنه "من المنتظر الانتهاء من الاتفاق حول الزيادة في الأجور في القطاع الخاص أيضا قبل موفى شهر سبتمبر/ايلول 2015، مشددا على دور اتحاد الشغل في حث الموظفين العموميين والأجراء على العمل.

واعتبر قائدالسبسي أن "المسؤولية مشتركة بين الجميع لتسيير البلاد وإخراجها من أزمتها الحالية. وتابع يقول نحن "قادمون على فترة استقرار وسلم اجتماعي" من شأنها أن تساعد على الحكومة على إنقاذ البلاد من الأزمة من خلال تنفيذ خطة عمل تكون كفيلة بمواجهة التحديات، وفي مقدمتها توفير التنمية وتحسين الأوضاع الاجتماعية لمختلف فئات المجتمع وخاصة الفئات الهشة بما من شأنه أن ينفس حالة الاحتقان الاجتماعي وإرساء السلم الأهلي.

ويقول سياسيون إن إرساء السلم الاجتماعي والنجاح في إنقاذ تونس من أزمتها مرتبط شديد الارتباط بتجسير الهوة بين الحكومة واتحاد الشغل، وذلك من خلال انتهاج سياسات تراهن على إدارة مفاوضات جدية حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارهما الفاعلان الرئيسيان في مشهد سياسي واقتصادي وإجتماعي متحرك على أرضية هشة محفوفة بكثير من المخاطر.

ويضيف السياسيون أن اتحاد الشغل قادر على أن يلعب دورا اجتماعيا حاسما في إرساء السلم الأهلي باعتباره منظمة قوية ذات نفوذ لا اجتماعي فقط وإنما سياسي أيضا، وهو قبل هذا منظمة مدنية ديمقراطية عريقة تمثل حجر الزاوية في استقرار البلاد لأنها تمتلك من النضالية ومن التجربة والخبرة ومن تقاليد إدارة الحوار والمفاوضات مع الحكومة ما يذيب جليد الخلافات.

وبالمقابل، يشدد السياسيون على أن التزام الحكومة التي تشكلت بعد استرضاء أغلب الأحزاب بتعهداتها من شأنه أن "يرسي سلما اجتماعية" تقود تونس باتجاه إنقاذها من أزمة خانقة من أبرز ملامحها احتقان اجتماعي أخد نسقا تصاعديا خلال الفترة الماضية وبات بعدد استقرار البلاد.

واعتبر قائدالسبسي أن حزب نداء تونس الذي أسسه عام 2012 لمواجهة الإسلاميين وفاز بالأغلبية البرلمانية وبرئاسة الجمهورية "أحسن الاختيار حين رشح الحبيب الصيد برئاسة الحكومة" واصفا إياه بأنه "سياسي محنك تمكن من خلق مناخ إيجابي رغم حملات التشكيك، في إشارة إلى موقف المعارضة وفي مقدمتها الائتلاف الحزبي اليساري "الجبهة الشعبية" التي قالت في أكثر من مناسبة إن الحكومة الائتلافية التي يقودها الصيد هي حكومة فاشلة.

ودافع قائدالسبسي بشدة على مشروع القانون المتعلق بالمصالحة الاقتصادية والمالية مع عدد من رجال الأعمال تحوم حولهم "شبهة الفساد" خلال فترة نظام بن علي، مشددا على أن "مشروع القانون يحمل فصولا من الدستور الجديد ولا يتعارض معه".

ولفت قائدالسبسي إلى أنه "من حق رئيس الجمهورية أن يقدم مبادرة تشريعية حسب ما جاء في الدستور". وأشار إلى "وجود نقص في فهم النصوص"، مضيفا "كل من يستغرب من مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية هو لم يقرأ دستور الجمهورية التونسية".

وترفض المعارضة التونسية مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية حيث تعتبره "تطبيعا مع الفساد" وتعتبره "انقلابا" حتى أن الجيلاني الهمامي القيادي في الجبهة الشعبية وصفه بأنه "وصمة عار" و"المسمار الذي سيدق في نعش ثورة الشعب التونسي".

وبالمقابل تشدد الحكومة على أن مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية "يهدف إلى إنعاش الاقتصاد الذي شارف على "مرحلة الانكماش" وهي تراهن على تمريره بعد إدخال تعديلات من قبل مختلف الأحزاب سواء منها المؤتلفة في الحكومة أو المعارضة لا فقط في إطلاق مشاريع استثمارية تخفف من حدة الأزمة الإقتصادية وتداعياتها الاجتماعية وإنما تراهن على تمريره تمهيدا لمصالحة وطنية شاملة لإطلاق مصالحة وطنية شاملة تصهر مختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين في مشروع وطني يقود إلى إنقاذ البلاد من أزمتها.

وفي حال عرض مشروع قانون المصالحة الاقتصادية على البرلمان للتصديق عليه فإن تمريره سيكون "مضمونا" باعتباره يحظى بدعم الأغلبية البرلمانية، ممثلة في كتلتي "نداء تونس" و"حركة النهضة" الإسلامية اللذين يستحوذان على 155 مقعدا من ضمن 217 مقعدا، 86 مقعدا لنداء تونس و69 لحركة النهضة، إضافة إلى شريكيهما في الحكومة هما الاتحاد الوطني الحر الذي حصل على 16 مقعدا وحزب آفاق تونس الذي حصل على 8 فيما لم تستأثر المعارضة سوى بـ37 مقعدا.

وفي رد واضح على الجهود التي تقودها المعارضة للضغط على الحكومة وعلى البرلمان من أجل إسقاط مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، شدد قائدالسبسي على أن مجلس نواب الشعب (البرلمان)، هو "الإطار الدستوري الوحيد الذي يناقش فيه مشروع القانون، وأن عملية تعديله أو تغييره أو رفضه هي من مشمولات البرلمان.

ونفى قائدالسبسي أن يكون مشروع المصالحة الاقتصادية والمالية مع رجال الأعمال يكرس الفساد، ملاحظا أنه تم تقديمه نظرا للوضع المتردي الذي تمر به البلاد وخاصة الوضع الاقتصادي ملاحظا أن نسبة النمو تتراوح بين 0 و1 بالمئة وأن المديونية ناهزت الـ52 بالمئة.

وقال قائدالسبسي إن "من يعارضون مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية هم على الأرجح لم يقرأوا القانون، أو لديهم صعوبات في فهم النصوص القانونية.

ويرجح محللون سياسيون، أن يتجه قائدالسبسي لتعديل مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية، حيث تذهب معظم القراءات إلى أن اتجاه قائدالسبسي المحتمل لتعديل مشروع القانون، يأتي في إطار سعيه لتخفيف حدّة التوتر السياسي في البلاد، بعد أن اثارت مبادرته جدلا واسعا في تونس، ودفعت بالمئات إلى الشارع احتجاجا على المبادرة.

ويؤكد سياسيون على اطلاع بتطورات النقاش حول مبادرة السبسي، أن المساعي حثيثة لإطلاق حوار وطني حول مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية بهدف حل الإشكال وتقريب وجهات النظر.