الأكراد يتجاهلون حكومة العبادي ويلوحون باستقلالية نفطية

تصعيد ينذر بعودة الخلافات إلى المربع الأول

أربيل (العراق) - أكد إقليم كردستان في شمال العراق الثلاثاء أن من حقه تصدير النفط بشكل مستقل إلى الولايات المتحدة ودول أخرى على الرغم من حكم قضائي لصالح الحكومة الاتحادية في بغداد التي تسعى لوقف مبيعات الخام من الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي.

ورفضت محكمة الاستئناف الأميركية للدائرة الخامسة في نيو أورليانز الاثنين دعوى من حكومة إقليم كردستان لإلغاء حكم سابق ضد صفقة مزمعة لبيع شحنة من النفط إلى مشتر غير معروف في الولايات المتحدة.

وكانت الحكومة الاتحادية العراقية قد اقامت دعوى قضائية في محكمة أميركية في 2014 لوقف بيع شحنة قدرها مليون برميل من نفط كردستان في إطار نزاع مستمر منذ فترة طويلة حول حقوق تصدير النفط.

وقالت المحكمة في حكمها الاثنين، إن الناقلة التي تحمل النفط تقطعت بها السبل قبالة السواحل الأميركية ستة أشهر وسط فراغ قانوني قبل أن تبحر إلى إسرائيل حيث بيعت الشحنة مما يجعل الاستئناف المقدم للأكراد غير ذي صلة.

غير أن وزارة الموارد الطبيعية في حكومة اقليم كردستان قالت في بيان الثلاثاء، إن الحكم سيدفع وزارة النفط العراقية لسحب دعواها القضائية التي "لا أساس لها".

واضافت "رغم أن حكومة إقليم كردستان تعتقد أن القضية كان يجب رفضها في وقت سابق الا انه ولأسباب مختلفة سيبقى الوضع على ما هو عليه، موضحة انه "لا يوجد حظر على تصدير النفط من كردستان إلى الولايات المتحدة أو أي مكان اخر".

وقالت في تحد صريح لحكومة حيدر العبادي، إن حكومة الإقليم ستواصل تصدير النفط والغاز وفق ما يسمح به الدستور العراقي."

وكانت بغداد والأكراد قد توصلا إلى اتفاق في ديسمبر/كانون الأول 2014 لحل النزاع حول حقوق تصدير النفط وتقاسم الإيرادات، لكن الاتفاق إنهار في الأشهر القليلة الماضية مع قيام إقليم كردستان بزيادة مبيعاته النفطية المستقلة.

وينذر تمسك الأكراد ببيع النفط بشكل مستقل دون الرجوع إلى الحكومة المركزية في بغداد ووزارة الاشراف (وزارة النفط) بعودة الخلافات بين الطرفين إلى المربع الأول.

ومن المتوقع ايضا في حال نفذّت حكومة الاقليم قراراها، أن تعمق أزمتي حكومة العبادي الاقتصادية والسياسية، حيث يواجه العراق تراجعا حادا في ايراداته النفطية بسبب موجة انخفاض اسعار البترول في الأسواق العالمية بأكثر من 50 بالمئة منذ يونيو/حزيران 2014.

وكانت وزارة النفط العراقية قد وصفت عمليات تحميل النفط العراقي في كردستان من ميناء جيهان التركي وتسويقه الى شركات اجنبية بأنها عمليات \'تهريب\' لكن حكومة الاقليم كانت تبرر ذلك بأنه \'حق دستوري\'.

ويقول محللون، إن الأكراد استفادوا من التوترات السياسية والأمنية في العراق، واستغلوا حالة التراخي الحكومي سواء في عهد الحكومة السابقة التي قادها نوري المالكي أو في ظلّ الحكومة الحالية التي تواجه ضغوطا شديدة بعد أن اطلقت حزمة اصلاحات يصطدم تنفيذها بالأحزاب الدينية المتنفذة وبتصلب مواقف الشخصيات السياسية ومنها نوري المالكي واياد علاوي وآخرون، خوفا من ان تمس تلك الاصلاحات نفوذهم ومصالحهم.

ويرجّح ان تتحرك حكومة حيدر العبادي لتسوية الخلاف مع الأكراد عبر اعادة اطلاق المفاوضات على اساس آخر ما تم التوصل اليه من تفاهمات.

غير أن الأمر قد لا يكون بالسهولة التي يتوقعها بعض السياسيين في العراق من أنصار التسويات في اطار التفاوض، حيث أن الأكراد سبق لهم ان لوحوا بالانفصال وبتصدير النفط دون الرجوع للحكومة المركزية.

ويطالب الاكراد حكومة العبادي ايضا بتسديد مستحقاتهم المالية من الموازنة العامة، ومن حصص تصدير النفط.

عجز كبير في الموازنة

وتوقع صندوق النقد الدولي في اغسطس/اب ان يتفاقم عجز موازنة العراق وإجمالي ديونه في 2015 نتيجة ما تتعرض له البلاد من ضغوط بسبب الهبوط الحاد في أسعار النفط وارتفاع الإنفاق العسكري في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية الذي يسيطر على مساحات واسعة من البلاد.

وقال الصندوق حينها في تقييم للوضع الاقتصادي العراقي، إنه يتوقع ارتفاع عجز الموازنة في 2015 إلى نحو 18.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 5 بالمئة في2014 بينما ينتظر أن تنخفض نسبة العجز في 2016 إلى نحو 9 بالمئة.

ويعزى ارتفاع عجز الموازنة العراقية إلى اشتداد الضغوط المالية على الحكومة، وهبوط الاحتياطي من النقد الأجنبي من 84 مليار دولار بنهاية 2013 إلى 67 مليارا بنهاية 2014.

وتوقعت وكالة موديز للتصنيف الائتماني الاثنين، أن يرتفع إنتاج العراق من النفط بمعدل 10 بالمئة سنويا ليصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2019، بالتزامن مع توقعات بانتعاش نمو قطاعات أخرى من خارج القطاع النفطي اعتبارا من 2016 فصاعدا. ومن شأن ذلك أن يساعد على رفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى نحو 8 بالمئة سنويا بين عامي 2016 و2019.

إلا ان تلويح الأكراد بتصدير النفط بشكل مستقل، سيحول حتما دون تحقيق نسبة النمو المتوقعة.

وأشارت الوكالة في بيان، إلى أن الاقتصاد العراقي يعاني من عدم التنويع، حيث يشكل النفط نحو 50 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 100 بالمئة من الصادرات، كما يهمين القطاع العام على القطاع غير النفطي، بينما يشكل التصنيع والبناء نحو 10 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي فقط في عام 2014.

وانخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في العراق بنحو 2.1 بالمئة في 2014، مدفوعا بانكماش حاد في النمو غير النفطي، في حين واصل الإنتاج النفطي نموه بنحو 4.5 بالمئة.

وتراجعت الإيرادات النفطية بسبب موجة انخفاض أسعار البترول بأكثر من 50 بالمئة منذ يونيو/حزيران 2014.

ويشكل النفط نحو 90 بالمئة من إجمالي الإيرادات، ما جعل العراق ضمن قائمة الدول الأكثر تضررا من اضطراب الاسعار في الاسواق العالمية.

ويقول خبراء، إن الاعتماد المفرط على النفط كمورد أساسي لتغذية الموازنة وتغطية النفقات العامة، عرّض البلدان المنتجة للبترول لهزّات اقتصادية كبيرة، وضغوط شديدة على موازناتها، في ظلّ غياب مصادر أخرى بديلة، باستثناء بعض الدول الخليجية الكبرى المنتجة للنفط مثل السعودية والامارات حيث يتمتعان بقدرة عالية على امتصاص صدمة الاسعار بفضل مراكمتهما لاحتياطات مالية ضخمة خلال السنوات الماضية، إلا أن الامارات كانت ايضا سباقة في تنويع اقتصادها من خارج القطاع النفطي اذ وظفت استثمارات كبيرة لتنمية القطاع الصناعي وايضا القطاع السياحي والنقل.

وتوقعت وكالة موديز أن يقود الانخفاض الحاد في اسعار النفط، إلى تراجع ايرادات العراق النفطية بنحو 35 بالمئة في 2015، ليرتدّ سلبا على الموازنة التي من المتوقع أن تسجل زيادة في العجز بنحو 18 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي.

ورغم توقعات بارتفاع صادرات العراق النفطية في 2016، فإن العجز المالي سيظل عند مستوى 15 بالمئة من اجمالي الناتج المحلي، وهي أقل من توقعات صندوق النقد الدولي في اغسطس/اب الذي قدّر أن عجز الموازنة بـ18 بالمئة.

وتقول موديز، إن من شأن تمويل هذا العجز أن يرفع نسبة الدين الحكومي إلى حوالي 79 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية عام 2016.

وتتوقع الوكالة، أن تتراجع نسبة الدين الحكومي بالعراق في وقت لاحق، إلى أقل من 70 بالمئة في 2019، في حال ارتفع انتاج النفط واسعاره.

لكنها اشارت إلى أن غياب سياسة تنويع مصادر الدخل والاعتماد على الايرادات النفطية بشكل شبه كلّي يجعل الاقتصاد العراقي عرضة لتقلبات أسعار البترول.

وفقا للمراجعة الإحصائية التي تصدرها شركة بي بي العالمية لأوضاع الطاقة في العالم لعام 2015، بلغت احتياطيات العراق النفطية المؤكدة نحو 150 مليار برميل عام 2014، ما يمثل نحو 8.8 بالمئة من اجمالي الاحتياطات العالمية ليحتل بذلك المرتبة الخامسة في العالم.

وقالت موديز، إنها منحت تصنيفا مؤقتا للسندات التي قررت الحكومة العراقية إصدارها بالدولار، الأمر الذي يعني درجة مخاطرة عالية، ونظرة مستقبلية مستقرة.

ويعتزم العراق إصدار سندات دولية بنحو 6 مليارات دولار، للمرة الأولى في 9 سنوات، لتمويل عجز في الموازنة، بسبب هبوط أسعار النفط وحربه ضد تنظيم الدولة الاسلامية المتطرّف.

ويرى محللون ان توقعات الوكالة بنمو الاقتصاد العراقي اعتبارا من 2016 إلى 2019 بنحو 8 بالمئة، تبدو متفائلة مقارنة بمؤشرات حالية تجمع على أن الاضطرابات الأمنية وتقلبات اسعار النفط، من أهم العوامل غير المحفزّة للنمو.