اليمن بين مطرقة الحرب وآمال السلام

على خلفية دوي المدافع وصواريخ وقصف طائرات تنامى إلى مسامع اليمنيين المتعطشين للسلام أنباء قرب مفاوضات لتطبيق القرار الدولي الخاص بطي صفحة الانقلاب في اليمن، وفجأة تلعن الرئاسة اليمنية رفضها لآي مباحثات..

يقولون إن الاتفاقيات عقارب الزمن وهي التي تنسف المصالحات إذا بُنيت على أخطاء متعمد او بدون قصد او حتى سوء فهم او تدليس فالقانون لا يحمي المغفلين، نرى ان المتصارعين يركزون على المضمون السياسي على خلفية ما يجري في ميدان القتال، ولا ينتبهون للأبعاد القانونية ومدى دقة صيغة تدوين الاتفاقات والعهود، وبداهة يعرف القانونيين أهمية تفاصيل بنود أي اتفاقية لدرجة إنها تكتب بأكثر من لغة وتعتبر كلها مرجع في حال تنكر او تقاعس أي طرف عنها.

وفي الحالة لهذه الحرب التي قد أنهت نصف عام كان الإعداد يجري على قدم وساق لمشاركة طرفي النزاع في الحرب اليمنية على البدء في جولة مفاوضات من اجل تطبيق القرار الدولي إلا ان الرأي العام فوجئ بإلغاء ذلك ما لم يعترف الطرف الآخر بقبوله رسميا بالقرار بشرعية القرار الدولي الشهير 2216، ومن وجهة نظر قانونية محايدة فإن قبول حكومة الشرعية للتفاوض على اساس ما يعتقده الحوثيون بأن نقاطهم السبع كلها او بعض منها ستمرر يعني الوقوع في الفُخ والاعتراف بعدم عودة هادي وتنازله عن شرعيته كرئيس، وهي الشرعية التي على أساسها تدخل التحالف أصلاً.

ومن هنا فلا قيمة لتأكيد بيان مجلس الأمن على شرعية هادي كرئيس، كما قيل، اذ لم يكن ذلك سوى طعم، لدفع حكومة الشرعية للقبول بالتفاوض على أساس تلك النقاط التي يعتبرونها مفخخة، تماما كقبول مبادرة الخليج التي ابقت الرئيس السابق يمارس السياسة من خلال المؤتمر الشعبي وجعله مسمار جحا لتحقيق مآربه، ومن هنا فقد تنبهت الحكومة الشرعية لمثل نقاط الضعف تلك والتي قد تصبح مثار جدل وفشل وهو الامر الذي سارعت للإعلان لرفض أي تفاوض قبل اعتراف الانقلابييين (صالح والحوثي) بالقرار الأممي 2216 بل البدء في تنفيذه لإبداء حسن النوايا.

يدرك اليمنيون كغيرهم أن الجهود الأممية ما هِي إلا ذراً للرماد في العيون، ذلك أن حالات مشابهة في كل البلدان التي عصفت بها رياح محاولات التغيير فيما سمى ببلدان الربيع العربي والعراق وحتى في العقود الماضية بأنها مجرد رفع العتب عن المنظمة الدولية التي غدت مجرد قيم افتراضية مفروغة من مضامينها وأهدافها الإنسانية النبيلة، لقد قام المبعوث الاممي السابق برحلات مكوكية إلى اليمن لم تفض لأي نتيجة، وفي الوقت الذي أسقطت صنعاء وحجز الرئيس هادي كان المبعوث الدولي يدير مفاوضات في فندق "الموفمبيك" وكأن شيئاً لم يحصل.

وهو الأمر نفسه للمبعوث الأممي الجديد والذي هو في واقع الحال مجرد موظف دولي لا يخرج عن سياقات معلومة، فالأمم المتحدة غير متحدة والجامعة العربية مكتوفة الأيدي وتعكس حالة التداعي للنظام الإقليمي العربي ذلك انها جامعة للدول العربية وليست للشعوب العربية، فالمجتمع الدولي غدا هو الآخر مكتوف الأيدي عندما يرى قرارا اممياً تحت البند السابع ولا يستطيع تنفيذه، ليس بمقدور اليمنيين ان يخرجوا من دوامة الصراع وهم بهذه العقلية الاستقطابية وفشل ساستهم في وأد الفتنة وهي في بدايتها والأمر يعود لتراكم الأخطاء في كل مرحلة ابتداء من مبادرة الخليج التي حملت بذور فنائها في طياتها.

الشعب اليمني لم يعد يتحمل مزيداً من المعاناة ومن أخطاء وحماقة ساستهم، لقد تجنب اليمنيون الحرب الأهلية بمنح الرئيس السابق حصانة ومن هنا فقد انزلق اليمن للمحذور ولم يعد هناك شيء يخسره، لقد كان دخول التحالف الحرب سلاحا ذا حدين فهو في الوقت الذي يرمي إلى إنقاذ اليمن على حد قوله، هو في نفس الوقت قد أعطى طوق نجاة للانقلابيين للالتفاف الشعبي تحت ذريعة مقارعة العدوان الخارجي، وهو حق أريد به باطل فكممت الأفواه وزوج بالوطنيين المشاركين في ثورة 11 فبراير في السجون، وحوصر الشعب وعزل اليمن عن محيطة الإقليمي والدولي تحت مبرر انتهاك السيادة مع ان اليمن منزوع السيادة منذ عقود، وبالأخص غداة اندلاع ما سمى بثورة الربيع العربي في نسخته اليمنية، بقدر ما لدول المنطقة من مساعي لاحتواء أزمات اليمن هي نفسها بقصد او بدون قصد زادت من اشتعال تلك الإشكالية، ولدى بلدان المنطقة تخوفات مشروعة من الظاهرة الحوثية والتي لم تعد مشكلة يمنية بل هماً خليجياً، ويأتي في سياق الصراع الإقليمي بين طهران والرياض، وكذا له إبعاد دولية أيضاً.

يخشى اليمنيون أنه بمرور الزمن قد تصبح قضيتهم منسية في أروقة المنظمات الدولية، ويخشون أيضاً بأنهم أصبحوا ضحية للعبة الأمم، ومن هنا فلا ينقذ اليمن سوى أبنائه وكذا دول المنطقة أفضل من التعويل على المجتمع الدولي فالقضية اليمنية حتما غدت هما إقليمياً وعربياً، ولا مناص من حلول سياسية ناجعة تعكس المزاج الشعبي ورفضهم لحالة الانقلاب وعودة اليمن لبناء دولة مدنية توافقية لا إقصاء ولا تهميش دولة تتعايش مع المجتمع الدولي ومع محيطها الإقليمي تحديداً.