العراق: الدولة الحاضنة للفساد تنازع نفسها بالاصلاحات

يجلس المواطن العراقي متسمّراً امام الشاشات ليشاهد آخر اخبار الحكم ورجالاته تداعب خياله واحلام يقظته صورة ما صار يشاع تحت مصطلح الاصلاحات، يظهر على الشاشات رئيس الحكومة الذي يتطلع اليه جمهور عريض ليقود رحلة الاصلاحات واذا به مجتمع مع احزاب السلطة وان وزير الخارجية هو الذي يملي على رئيس الوزراء في سابقة غير موجودة في بلد غير العراق وكانت القصة قد عرفت على نطاق واسع: ان وزير الخارجية يربأ بنفسه ان يرافق رئيس الوزراء في اية زيارة خارجية لأنه يرفض ان يقف خلفه او حتى لا يبدو وكأنه وزير عنده ويشتغل تحت امرته بينما هو رئيسه حزبيا.

مفارقة تضاف الى المضحك المبكي في الواقع العراقي، التطلع للرجال المصلحين في مقابل سفسطة وتكرار واجترار كلام مشوش ومبهم ينثره الوزير الملهم ومع ذلك هنالك احلام عريضة تداعب خيال عشرات الالوف ان هؤلاء القوم المجتمعون حزبيا وجالس بينهم رئيس الحكومة وفارس الاصلاحات سوف ينقلون احلام العراقيين الى واقع وسوف تنام الناس وتصحو لتجد عراقاً آخر، مزدهراً وعصرياً ومتطوراً، خالياً من آفات العنف والطائفية والفساد.

لكن القصة تبدو ابعد من ذلك لا سيما وان موج الاصلاحات صار يقترب من جرف المصالح الاكثر شخصية لزعامات سياسية ادمنت رغد العيش من هامش الفساد باعتباره قاسما مشتركا للعمل السياسي من قبيل تقاسم المناصب الدسمة ذات المردود المالي العالي ومن قبيل تقاسم املاك الدولة ومبانيها ومن قبيل بث الاعوان في مفاصل الدولة المختلفة فكيف وان الاصلاح يراد به رد الاراضي والاموال العائدة للدولة او تلك التي منحها امناء العاصمة على التوالي لمسؤولين كثر على سبيل الرشوة وسد الافواه او تلك التي تم الاستيلاء عليها بقوة السلاح والتخويف على اساس انها مقرات حزبية لأحزاب وطنية مناضلة تخدم الشعب او تلك المناصب التي اصبح بموجبها عشرات من وكلاء الوزرارات والمدراء العامين والمستشارين وهم يحملون صفة المسؤول الحكومي المزمن الذي لا يقبل التغيير بالرغم من ان بعضهم بلا خدمة حكومية سابقة وقفز دفعة واحدة الى المنصب الرفيع من خلال "سي في" من بضعة اسطر كانت كفيلة برفعه من القاع الى العلياء بفضل المحاصصة الطائفية والحزبية والتخادم العائلي والعشائري.

هذه الصورة المزرية يدركها المواطن العراقي المتسمر امام الشاشات ويشفق منها ويرى بنسفه جسامة الكارثة التي اصابت البلد من خلال هذا التشظي والفوضى المتفشية في مفاصل الدولة وكيف عششت طبقة من الانتهازيين والفاشلين واستولت على ارفع المناصب واحتلت الاراضي والمباني وتملكت واثرت في شبه غمضة عين وانتباهتها فأنّى للاصلاح ان يتحقق والملهم لرئيس الوزراء هو ذلك الوزير السفسطائي الذي بنى امجاده على هذا الخراب؟

تبدو الكارثة العراقية اشد وطأة بعدما اسرفت احزاب السلطة في ثروات الشعب وبددّتها يمينا وشمالا ويتذكر العراقيون مثلا كيف ان رئيس الحكومة السابق كان يظهر على الشاشات متوعدا المحافظين الذين لا ينفقون الاموال المخصصة لمحافظاتهم رغم ان كثيرا منهم يعلنها صراحة انه لم يعثر على شركات كفؤة ونزيهة لتنفيذ المشاريع المخصصة لها تلك الاموال لكن ذلك العذر لم يكن مقبولا في عرف رئيس الوزراء فالاساس هو انفاق تلك الاموال بأي شكل من الاشكال وعدم اعادتها الى الخزينة العامة ولهذا شاع ذلك النوع من الانفاق العشوائي وتغلغل الفساد ونثرت اموال الدولة يمينا وشمالا في مشاريع وهمية ومشاريع معطلة تصل الى اكثر من الف مشروع في كل انحاء العراق.

من هنا صار ايجاد التوازن ما بين خزينة شبه خاوية وحرب ضروس متواصلة ضد التنظيمات الارهابية مع انفلات امني تدل عليه عمليات الخطف في وضح النهار وبين اصلاحات مفترضة يبدو توازنا مضطربا ومرتبكا يزيده تفاقما ان من يلهم رئيس الحكومة في اصلاحاته هو زعيم حزبه الذي لا ناقة له ولا جمل لا بالدبلوماسية ولا بالعمل الخارجي وهذه نقطة واحدة مباشرة بسيطة تكشف شكل المأزق الذي تدخله تلك الاصلاحات.

في موازاة ذلك تجد ذلك المواطن المتسمر امام الشاشات مستعدا لتجاوز كثير من الاخفاقات والهفوات والمآزق فيما لو اقدم رئيس الحكومة وفارس الاصلاحات على تجاوز ما هو فيه: الخروج من تخندقه الحزبي القائم في جوهره على المحاصصة وماحملته من ثوابت فساد لا تخطئها عين ولا عقل، الخروج من تلقين هذا او ذاك من رؤسائه الحزبيين، خروجه من انتمائه الضيق الى انتمائه الوطني الاكبر لكن يبدو ان ذلك حلم هو اقرب الى المثالية؛ اذ كلما اثيرت قضية الوطنية الخالصة العابرة للطائفية والمحاصصة سيتصارخ المتصارخون قائلين: ولكن الدستور يجب ان يحترم وهو قائم على تقاسم السلطات وارضاء المكوّنات وان رئيس الحكومة الذي يقود الاصلاحات هو نفسه قادم من رحم المحاصصات الحزبية والطائفية ولولاها لما تبوأ هذا المنصب، فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق المتشابك الذي يغرق فيه الساسة واشباههم كما يغرق فيه العراقيون ويدفعون اكلافه الباهظة في كل يوم؟

بالموازاة يطرح سؤال هو: أنّى للدولة الحاضنة للمحاصصة الطائفية وبالنتيجة الحاضنة للفساد المترتب على هذا التنازع والتقاسم ان تنازع نفسها بادعاء الاصلاح والنزوع اليه؟ انها ازدواجية عراقية مريرة ومضطربة وغرائبية ما زالت فصولها تترى ومازال ذلك المواطن متسمرا امام الشاشات منتظرا غيث الاصلاحات علّها تروي تلك الارض القفراء التي نخرها الفساد ونخرتها المحاصصة الطائفية تحت سمع وبصر احزاب السلطة التي طالما رعت الفساد وسكتت عليه فإذا بها تركب موجة الاصلاحات بشرط ألا تمس مصالحها التي منحتها لها دستوريا تلك الدولة الراعية للفساد وهي تنازع نفسها بإصلاحات ما زال يحلم بها ذلك المواطن المتسمر امام الشاشات بالانتظار ولا يعرف احد حتى متى سيطول ذلك الانتظار.