عبادة الحاكم هل هي الطريق الصحيح للحداثة؟

لو سأل كل منا نفسه ماذا يتمنى لمصر لكانت الإجابة الجماعية "أن يراها من أفضل البلدان على وجه الأرض"، فالحقيقة إن المصري هو المواطن الوحيد في العالم الذي يتغنى باسم بلاده في جميع الأوقات، وهو المتأهب دوماً للدخول في معارك كلامية أو يدوية مع من ينبس بحرف يُمكن أن يفهم منه أنه نقداً لها تلميحاً كان أو تصريحاً.

وتعبيراً عن حب مصر، أصبح الرقص الشرقي الوسيلة الوطنية المُحببة لدى النساء والرجال شيوخاً وشباباً وأطفالاً وبرزت مزاياه بصورة احترافية في المناسبات السياسية المتعددة كالاستفتاء على الدستور والمشاركة في الانتخابات الرئاسية، فدون وصلات الرقص الملتهبة وما يصاحبها من زغاريد صاخبة، يظل التعبير عن حب الوطن منقوصاً.

ومن سوء الطالع فإن هذا الشعور الوطني الجارف لدى المصريين يظل ممثلاً لمظاهر التعبير عن حب الوطن في خامته الأولية التي لا تتحول أبداً إلى دلالات عملية يُمكن تصنيفها كفوائد ملموسة تعود على الوطن والمواطن بالخير، فتلك الطاقة الجبارة لهذه المشاعر لا تتعدى الحناجر والأجساد المتمايلة والأرداف المرتعشة والألسن المجلجلة.

وباستثناء الحقبة الفرعونية المتمثلة في ثلاثة آلاف عام من الحضارة التي قتلناها فخراً، وعشنا ولم نزل عالة على ذكراها، فالقارئ للتاريخ يعلم أننا منذ الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، وحتى وصولنا إلى القرن الحادي والعشرين، ما زلنا نتأبط ذراع النمطية البدائية المقيتة، فلم نأخذ من الحداثة إلا التسابق على اقتنائها دون أن يكون لنا أدنى مساهمة في اكتشافها أو مسحة من فضلٍ في تطوير أدواتها.

فقد ارتضينا الانشغال بالتمسك بالعادة الفرعونية التي أصبحت جزءاً من واقعنا المؤلم، وهي عبادة الحاكم، عن التماهي مع التقدم البشري المتسارع من حولنا، نفعل ذلك رغم أن الله تبارك وتعالى هو المستحق وحده العبادة، ولكن من قال إن الدين قد سكن وجداننا، أو رقق قساوة قلوبنا، أو أصلح أخطاء سلوكنا، ومع أن الجميع يعلم أن الله قد أغرق فرعون وجنوده، وكشف هشاشة قدراته، وكذب ادعاءاته، فلم يخش الذين جاءوا من بعده ذات المصير.

إن ثقافة تمجيد الفرد للدرجة التي تتلاشى البلاد في شخصه وتذوب، نمت وتأصلت في بلدان العالم الثالث، ومصر منها بطبيعة الحال، تجسيداً للروح القبلية، التي يتحكم فرد واحد في مقدراتها، وامتدت إلى تركيبة الدولة وسياساتها، حيث تحولت فيها الجماعة لخدمة الفرد بدلاً من أن يكون الفرد خادماً للجماعة، وذلك وضع مقلوب يرفضه العقل السليم وتلفظه القلوب، فدولة بهذه الثقافة هي بالتأكيد ضلت طريقها إلى الحداثة، ولكن من حُسن الطالع، أن ما كان مقبولاً في سحيق الأزمان، أصبح مستحيلاً قبوله الآن، والذين يحاولون فرضه وتكريسه بحماسة وهمة، يرتكبون خطيئة لن تغفرها لهم الأمة.

إن ألد أعداء معظم حكومات دول العالم الثالث، ومصر منها بلا شك، المواطن الذي يقرأ ويعقل، ولذلك فهي لا تغض الطرف عن ارتفاع نسبة الأمية فحسب، بل تعمل على تفشيها من خلال تردية التعليم عمداً، وتزييف الوعي بتقزيم الإعلام فعلاً وعملاً، وما يستتبع ذلك من حالة شاملة من القهر الإداري، والارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات، مع تسويق حالة من الخوف والفزع من التهديد الداخلي المتمثل في الإرهاب، والتآمر الخارجي المتربص بالدولة لتقسيمها أو إسقاطها انتظارا للأسباب.

كل ذلك، يؤدي إلى إجهاد المواطنين إلى أقصى درجة، ليظلوا دائماً متعلقة أفئدتهم بالمنقذ الأوحد، الذي حتى وإن لم يُقدم لهم شيئاً يُذكر، ورغم سوء أحوالهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلا إنه يظل أملهم الوحيد لعبور تلك المحنة التي يرونها مؤقتة، وأراها مؤبدة ما لم تتغير ثقافة عبادة الحاكم، التي لا تعيق تقدم الدولة فقط، إنما تعود بها إلى مجاهل الماضي السحيق، فهل ذلك في مصلحة الوطن؟ ذلك سؤال تحتاج الإجابة عنه إلى التجرد من المصالح الذاتية وتأثير الهوى، ففي القرن الحادي والعشرين هذا لا يليق.