التوحيدي والمقابسة الحادية عشرة

اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق

يصف ياقوت الحموي في كتابه "معجم الأدباء" أبا حيان التوحيدي بأنه "فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة" وأنه "فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة".

أما التوحيدي نفسه الذي ينتمي للقرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، حيث شاعت النزعة الإنسانية كما حللها وأرخ لها المفكر محمد أركون، فقد كان يفخر بتتلمذه على يد أستاذه الجاحظ الذي كان يمثل له قدوة ومرجعية فنية وأدبية كما كان يصفه كما سيصفه لاحقا ياقوت: "واحد الدنيا". فإذا كان الجاحظ ليس له مثيل، وأنه مثقف استثنائي، وأن الجاحظ بالتعريف هو الجاحظ: علامة لا تحيل إلى سواها، فإن التوحيدي هو أيضا يستحق هذه الصفات.

التوحيدي واحد من الذين يمقتهم عصرهم. ربما لفرادته وسماته التراجيدية، كأن للدنيا طبيعة تمقت مثقفا من هذا الطراز. الصفة التراجيدية لهذا المثقف تتكشف من كتاباته بالذات، فالرجل الذي كتب التراجم وعبّر عن أفكار عصره ببراعة لا نعرف عن تفاصيل حياته إلا أنه أخفق في أن يكون مترفا ليلازمه الفقر طيلة حياته، حتى أنه قال مرة: "غدا شبابي هرما من الفقر والقبر عندي خير من الفقر"، وليس صدفة أن تكون الرسالة الوحيدة التي تؤرخ لحياته بحسب بعض مترجمي سيرته هي الرسالة التي تخبرنا بأنه أحرق كتبه.

لكن المخطوطات التي حفظها الزمن ووصلت إلينا كانت كافية لنتمثل التوحيدي بصفته كاتب عصره الذي جفاه وتبرأ منه. فتلك الكتب لا تجسد روح العصر وفلسفته وحسب وإنما تجسد أيضا الفرادة التراجيدية لمؤلفها.

إن نص التوحيدي بلا مؤلف، هذا النص المعبأ بالاقتباسات ينسحب منه التوحيدي ليحضر سواه، نجد ذلك في عملين أساسين من أعماله: الإمتاع والمؤانسة، والمقابسات. أما الأخير فهو احتفاء بالاقتباس قبل أن تولد "كريستيفا" و"تودوروف" و"باختين" نفسه الذي قال مرة إننا لا نتحدث إلا "بين هلالين".

هذا النص الذي تسوده علامات التنصيص ينقل لنا بصياغة أدبية النقاشات الفلسفية التي شهدتها بغداد في القرن الرابع الهجري، وبالأخص النقاشات الدائرة في الحلقة الفلسفية التي يتزعمها أبوسليمان المنطقي السجستاني، وهي الحلقة التي كانت تضم طيفا من مذاهب وطوائف عديدة، كانت تتسع لكل المذاهب، الزرادشتي واليعقوبي والنسطوري والشافغي والشيعي.. لكل واحد من هؤلاء مكانه اللائق.

من هنا أمكن القول إن هذه الحركة الفلسفية التي عبر عن أفكارها التوحيدي في كتابيه "الامتاع والمؤانسة" و"المقابسات" كانت عابرة للمذاهب والإثنيات، كانت أمينة للفلسفة والمعنى بقدر ما تنأى بذاتها عن الاختلافات التي مردها الرسوم، إن الاختلاف لا يعود إلى الحق والحقيقة وإنما إلى التلقيات، أو القراءة البشرية بتعبيرنا المعاصر، يقول أبو سليمان السجستاني: "ليس الحق مختلفا في نفسه، بل الناظرون إليه اقتسمو الجهات، فقابل كل واحد منهم من جهة ما قابله، فأبان عنه تارة بالإشارة إليه، وتارة بالعبارة عنه، فظن الظان أن ذلك اختلاف صدر عن الحق، وإنما هو اختلاف ورد من ناحية الباحثين عن الحق".

وفي مقابسة أخرى: "ولكن اختلفت الرسوم ولم تختلف الحقائق". وبوسعنا ترجمة ذلك بلغة معاصرة بالقول إن ثمة تمايز بين النص والقراءة، بين حقيقة دينية ثابتة وقراءات – أو خطابات - بشرية متعددة ومتحولة ومغمورة في نهر "هراقليطس".

هذه التعددية تكشف عن نفسها بوضوح في "المقابسة الحادية عشرة". فهنا ينقل التوحيدي عن "الكاتب الصابي" أفكارا مدهشة حول العلاقة بين الطبيعة والعقيدة، تقول لنا إن النحل والاعتقادات أفكار ذاتية مرتبطة بأساس موضوعي، هو البيئة أو المزاج السيكولوجي، بمعنى آخر: نحن لا نختار الاعتقاد، بل هو الذي يختارنا، "كل واحد ينتحل ما شاكل مزاجه.." كما يقول الصابي.

تلك أفكار تنويرية بحق، من خلالها يبدو التوحيدي ورفاقه أيقونات تتخطى عصرها، لتقيم في لحظة زمنية أتت أو ربما لم تأت بعد. لكن نص التوحيدي لا يكتفي بالاقتباسات وعلامات التنصيص. تعيد نصوص المقابسات الفلسفة إلى مكونها الأصلي، نجد هناك فسحة من الأسئلة، نجد عصفا ذهنيا شرسا، هناك تعنيف فلسفي دائما ما يعتذر عنه التوحيدي، تعنيف يتخذ صيغة أسئلة مستفزة ومرهقة وكاسرة للاعتياد والألفة البغيضة إلى قلب الفيلسوف، إن كل معنى عند الفيلسوف يتخذ صفة إنسانية، البشر هم البشر، أكثر من ذلك، إن النبوة حدس، وهي بهذه الصفة طبيعة إنسانية بحتة تجعلنا نتساءل على طريقة التوحيدي: هل النبي يخطئ؟ وأين يلتقي مع الفيلسوف؟ أين تنتهي الحقيقة الدينية وأين تبدأ الفلسفة؟ هل يكمل أحدهما الآخر أم هما ندان لا يلتقيان؟

أسئلة كانت ستؤرق لاحقا فيلسوفا بقامة ابن رشد، كما ستشغل غيره وتشغلنا من بعده.