ضبابية بقطاع النفط السعودي بسبب تغييرات جذرية محتملة فيه

من سيعوض علي النعيمي؟

دبي/الرياض - أدت تغييرات جذرية أجراها العاهل السعودي الملك سلمان في قطاع النفط إلى خلق حالة من الضبابية وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسة النفطية في وقت تعاني فيه الرياض من هبوط أسعار الخام ومن حربها في اليمن.

ومنذ تعيين خالد الفالح الرئيس التنفيذي السابق لعملاق النفط السعودي أرامكو وزيرا للصحة في ابريل/نيسان لا تزال الشركة الحكومية بدون رئيس تنفيذي دائم ويضاف إلى ذلك إلغاء المجلس الأعلى للبترول في يناير/كانون الثاني.

وبينما كانت السعودية أكبر مصدر في العالم تحرص دائما على تحقيق الاستقرار واتساق المواقف في صياغة سياستها النفطية تركت هذه التغييرات إلى جانب تحول في استراتيجية السوق - التي ساهمت في تراجع الاسعار العالمية - المحللين والتجار في حيرة من أمرهم يخمنون الرؤية طويلة الأمد للملك سلمان.

تقول مصادر مطلعة بالسوق إن المبادئ الرئيسية للسياسة النفطية السعودية لا تزال ثابتة كما هي. وتتمثل هذه السياسة في القدرة على تحقيق الاستقرار في السوق عبر طاقة إنتاجية فائضة وفيرة وباهظة الثمن وفي الإحجام عن التدخل في السوق لأسباب سياسية.

لكن حالة عدم التيقن أدت إلى ظهور تكهنات بشأن مصير وزير البترول السعودي المخضرم علي النعيمي والدائرة الأوسع من المسؤولين في قطاعي الطاقة والمعادن في المملكة، وأذكت شائعات بأن إعادة هيكلة شاملة بالقطاع قد تكون وشيكة.

ويقول مصدر سعودي مطلع "ستحدث تغييرات (في وزارة النفط) لكن لا يعلم أحد ماذا ستكون الخطوة التالية ومتى ستحدث هل الأسبوع المقبل أم بعد شهر من الآن".

وأضاف "يجري اتخاذ القرارات من قبل دائرة صغيرة من المسؤولين وعدد قليل من المستشارين".

والشخص الرئيس في هذه الدائرة الصغيرة هو الأمير الشاب محمد بن سلمان ولي ولي العهد. ومنذ تولي والده عرش البلاد ودون امتلاك خبرة نفطية سابقة برز محمد بن سلمان كأقوى شخصية في دائرة السياسة الاقتصادية والنفطية للمملكة.

ويرأس الأمير مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية كما يرأس المجلس الأعلى لشركة أرامكو ما يجعله أول شخصية ملكية على الإطلاق تتولى الإشراف المباشر على عملاق النفط الحكومي وأكبر شركة طاقة في العالم.

وأدى المناخ السياسي العام في السوق إلى زيادة حدة حالة عدم التيقن. ويقول دبلوماسي غربي في الرياض "لا أحد يعلم ما سيحدث بعد ذلك".

تغيرات السوق

وبينما كان شن الرياض ضربات جوية على الحوثيين في اليمن في 26 مارس/اذار مفاجأة للمراقبين في بلد عرف باللجوء للحلول الدبلوماسية كان تغيير السياسة النفطية في نوفمبر/تشرين الثاني مفاجأة أخرى، ويمكن القول إنها أكثر أهمية.

وقادت المملكة منتجين آخرين في أوبك وتصدت لمطالب خفض سقف إنتاج المنظمة في خطوة تخلت بها عما عملت من أجله على مدى عشرات السنين لحماية أسعار الخام لصالح استراتيجية تهدف للحفاظ على حصتها السوقية أمام المنتجين المنافسين الآخرين مثل روسيا ومنتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ومنذ ذلك الحين هبط سعر مزيج برنت لأكثر من النصف لأسباب من بينها ذلك التحول في السياسة النفطية ليصل إلى 48 دولارا للبرميل من مستوى 115 دولارا في يونيو/حزيران 2014.

وكان ذلك اختبارا لقدرة السعودية على توحيد أعضاء أوبك الآخرين كما أحدث ضغوطا مالية في وقت تواجه فيه الرياض اضطرابات إقليمية وتحاول فيه توطيد التغيرات القيادية.

ويقول بسام فتوح مدير معهد اكسفورد لدراسات الطاقة "مع ظهور النفط الصخري في الولايات المتحدة دخلت السعودية منطقة مجهولة إذ لا تزال تتعرف فيها على مصدر جديد للإمدادات ويتطلب ذلك توجها جديدا لإدارة الاستثمارات وسياسات الإنتاج".

وبصفته وزيرا للدفاع عرف الأمير محمد بن سلمان على أنه الشخصية العامة التي تدير الحرب في اليمن وهو ما قد يكون سببا اقتطع من الوقت الذي كان يمكن أن يكرسه لإعادة هيكلة قطاع الطاقة في المملكة.

وفي إشارة إلى ما يمكن أن يحدث في نهاية المطاف كان تلفزيون العربية قد ذكر في 30 ابريل/نيسان أنه قد يجري إعادة هيكلة أرامكو وفصلها عن وزارة النفط.

وتكهنت بعض المصادر في قطاع الطاقة السعودي بأن يجري دمج وزارة البترول مع وزارة المياه والكهرباء وهيئة الطاقة المتجددة، ضمن وزارة جديدة للطاقة فيما أشارت بعض المصادر إلى احتمال خصخصة جزء محدود من أرامكو.

أب روحي جديد للطاقة

وحتما تأخذ تلك التكهنات بين طياتها مستقبل وزير البترول علي النعيمي باعتباره عراب قطاع الطاقة السعودي منذ أن بدأ عمله بوظيفة متواضعة في أرامكو في أربعينات القرن العشرين حتى تولى قيادة الشركة في ثمانينات القرن ذاته، ثم أصبح وزيرا للنفط في 1995.

وسيكون أمرا مستحيلا إيجاد بديل مطابق للنعيمي الذي سيبلغ الثمانين هذا الشهر، والذي حظى بمجال واسع لتفسير السياسة النفطية وتطبيقها بفضل خبرته، والاحترام الذي يتمتع به على الصعيد الدولي.

ومع ذلك يرى البعض خالد الفالح الرئيس التنفيذي السابق لأرامكو الخليفة المحتمل للنعيمي إذ سلك نفس مساره بداية من أرامكو وحتى الوزارة، لكن لم يتضح بعد ما إذا كان تعيين الفالح وزيرا للصحة يجعل هذه التكهنات أمرا محتملا أم لا، كما لم تتضح حقيقة أنه لايزال رئيسا لمجلس إدارة أرامكو.

وجرى تعيين أمين الناصر نائب الرئيس في أرامكو في منصب الرئيس التنفيذي المكلف في الأول من مايو ايار لكن لم يصدر أي بيان بشأن بقاؤه في هذا المنصب.

ويراهن البعض الآخر على تعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان خلفا للنعيمي بفضل خبرته الطويلة، لكن هذا قد يثير انتقادات بشأن عدم إبقاء على وزارة النفط في أيدي التكنوقراط.

ويقول صمويل سيزوك كبير المستشارين بوكالة الطاقة السويدية إنه لم يتضح بعد إلى أي مدى قد تؤثر هذه الضبابية على السوق، مضيفا أنه يبدو أن السياسة النفطية الجديدة تحظى بتأييد واسع داخل السعودية.

ويقول "لكن عنصر عدم التيقن.. قد يتفاقم إذا اعتبرت تلك التغييرات ضارة بالسوق".