تونس تحبط هجوما جهاديا خطيرا خطط له أبوعياض ومختار بلمختار

رفع مستوى التنسيق الأمني مع الجزائر

أحبطت الأجهزة الأمنية التونسية بالتنسيق مع نظيرتها الجزائرية هجوما خطيرا على أحد الفنادق في مدينة سوسة السياحة يستهدف احتجاز سياح جزائريين من أجل الضغط على تونس والجزائر للإفراج عن قيادات جهادية معتقلة في سجون البلدين، ورسم مخطط الهجوم كل من مختار بلمختار أمير "كتيبة الموقعون بالدم" وسيف الله بن حسين الملقب بـ"أبو عايض" أمير تنظيم أنصار الشريعة المصنف تنظيما إرهابيا وذلك بدعم من جماعة مسلحة محسوبة على قوات فجر ليبيا الذراع العسكري لتنظيم الإخوان.

وكشفت مصادر أمنية أنها "تمكنت بالتنسيق مع نظيرتها الجزائرية من إحباط هجوم خطير يستهدف احتجاز رهائن جزائريين نزلوا سياحا في فندق بمدينة سوسة بهدف الضغط على تونس والجزائر للإفراج عن قيادات جهادية معتقلة في سجون البلدين" ملاحظة أن "المخطط أعدته قيادات جهادية ليبية وتونسية وجزائرية ومصرية بدعم من جماعة ليبية مسلحة محسوبة على فجر ليبيا" مشددة على أنها "تمتلك معلومات ثابتة بأن مخطط الهجوم الدموي أشرف عليه كل من الجزائري مختار بلمختار أمير "كتيبة الموقعون بالدم" والتونسي سيف الله بن حسين الملقب بـ"أوبو عايض" أمير تنظيم أنصار الشريعة المقيم في ليبيا منذ العام 2012 تحت حماية الجماعات الجهادية الليبية.

يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع أنها تقود جهودا عسكرية تقضي بتركيز دوريات متحركة من الجيش في مداخل المدن الكبرى وداخل مناطق العمران إلى جانب حماية مؤسسات الدولة السيادية ومختلف المنشات والنقاط الحساسة بالبلاد وذلك بهدف إسناد جهود قوات الأمن للتوقي والتصدي لأية هجمات جهادية محتملة خاصة بعد توصل الأجهزة الأمنية إلى معلومات إستخباراتية تفيد بأن الجهاديين وضعوا مخططات للقيام بهجمات خلال الأيام القادمة تستهدف مواقع حيوية وحساسة في عدد من المناطق بتونس العاصمة باستخدام السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة.

وقال الناطق الرسمي باسم وزارة الدفاع المقدم بلحسن الوسلاتي في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء الحكومية الثلاثاء "إن الوحدات العسكرية التي هي جزء من منظومة مقاومة الإرهاب تقوم باسناد وتعزيز إجراءات قوات الأمن وتنسيق التعزيزات المطلوبة"، مشددا على أن قانون الطوارئ الذي أعلنه الرئيس الباجي قادئد السبسي في 23 يونيو/حزيران 2015 "هو الإطار القانوني لتدخلات الوحدات العسكرية التي يعطيها صلاحيات في المدن وداخل التراب التونسي عموما".

وأكدت المصادر الأمنية التي رفضت الكشف عن هويتها لأسباب أمنية أن الهجوم كان "يستهدف احتجاز عدد كبير من سياح جزائريين مقيمين في نزل يقع في مدينة سوسة كرهائن في مسعى إلى الضغط على السلطات التونسية والجزائرية ومقايضة الإفراج عنهم بإطلاق سراح قيادات جهادية تقبع في سجون البلدين" مشيرة إلى أن "عمليات التنصت على مكالمات الجهاديين والمتابعة المستمرة لتحركاتهم أفشلت الهجوم".

وخلال الأشهر الماضية رفعت كل من تونس والجزائر من مستوى التنسيق الأمني والإستخبارتي والعسكري بينهما بـ"اعتباره خيارا إستراتيجيا" يعزز قدرات البلدين على مواجهة هجمات الجماعات الجهادية التي قويت شوكتها في تونس خلال السنوات الأربع الماضية وباتت تشكل خطرا حقيقيا على كيان الدولة المدنية التي وجهت لها تلك الجماعات ضربات موجعة وفي الصميم.

وفي 18 مارس/آذار 2015 قام جهاديان تونسيان تابعان لتنظيم الدولة الإسلامية بهجومين اثنين استهدف أولهما المتحف الأثري بباردو وسط العاصمة تونس وخلف أكثر من 70 ضحية بين قتيل وجريح أغلبهم من السياح الأجانب فيما استهدف الهجوم الثاني في حزيران 2015 فندقا في مدينة سوسة السياحية وخلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب.

وفي أعقاب هجوم سوسة الدموي أعلن الرئيس الباجي قائد السبسي أن البلاد في حالة حرب مع الجماعات الجهادية وأقر بأن هجماتها التي تهدف إلى بناء دولة ذات مرجعية عقائدية باتت تمثل خطرا جديا على كيان الدولة المدنية التي تتخذ من الدستور مرجعية لها وأعلن فرض حالة الطوارئ وأقر بأن "الدولة مهددة بالانهيار" في حال تواصل هجمات الجهاديين.

ودفعت السلطات آنذاك بتعزيزات أمنية مشددة بهدف توفير الحماية الأمنية لمقرات البعثات الدبلوماسية والمدن السياحية ،غير أن تلك الإجراءات لم تبدد مخاوف عددا من البلدان الأجنبية إذ دعت بريطانيا مواطنيها إلى مغادرة تونس فيما فتحت الشرطة الألمانية مكتبا قارا في مقر السفارة الألمانية بتونس.

وكشفت المصادر الأمنية أنها تمتلك معومات دقيقة لا يرقى لها الشك بأن الهجوم الذي خطط له كل من مختار بلمختار وأبو عياض كان سيقوم به عدد كبير من الجهاديين أغلبهم ينتمي إلى خلايا نائمة في تونس إضافة إلى التحاق عدد من الجهاديين الجزائريين غير معروفين لدى الأجهزة الأمنية الجزائرية من خلال الاندساس ضمن الآلاف من السياح الجزائريين الذين توافدوا خلال هدا الصيف على تونس".

وأكدت نفس المصادر أن "جهات أجنبية معروفة كانت تقف وراء دعم الهجوم للإفساد العلاقة بين البلدين" غير أنها رفضت الكشف عن اسم وهوية تلك الجهات الأجنبية" مشددة على أن "إحباط الهجوم تم بناء على تنسيق امني واستخباراتي وعسكري بين تونس والجزائر أفضى إلى "جمع معلومات مهمة وخطيرة من خلال اعترافات أدلى بها جهاديون يقبعون في سجون البلدين".

وقاد التنسيق الأمني والإستخباراتي والعسكري بين تونس والجزائر إلى توجيه ضربات موجعة للجماعات الجهادية من قبل قوات الجيش الجزائرية على الشريط الحدودي الشرقي المحاذي لتونس، وأيضا من قبل قوات الأمن ووحدات الجيش التونسية التي وجهت بدورها ضربات قاسية للتنظيمات الجهادية وأخطرها "كتيبة عقبة بن نافع" التي تتحصن بمرتفعات سلسلة جبال الشعانبي المحاذية للحدود الغربية مع الجزائر.

تركيز دوريات متحركة من الجيش في مداخل المدن الكبرى

ولاحظت المصادر الأمنية أن "السلطات الأمنية الجزائرية هي التي كشفت مخطط الهجوم عن طريق معلومات استقتها من شبكات تهريب على علاقة بالجماعات الجهادية المسلحة في ليبيا، تنشط على مستوى المثلث الحدودي بين ليبيا وتونس والجزائر الذي يتخذ منه الجهاديون التونسيون والجزائريون والليبيون معقلا شبه آمن لهم مستفيدين من غياب أي جيش نظامي بالمثلث"وأكدت أن "الأجهزة الأمنية التونسية تحركت بسرعة وبنجاعة مهنية حالما أبلغتها نظيرتها الجزائرية بمخطط الهجوم ونجحت في إحباطه من خلال تفكيك عدة خلايا متأهبة وإلقاء القبض على عدد من الجهاديين وقتل آخرين".

وكان أمنيون قالوا في وقت سابق إن التحقيقات مع عناصر أكثر من 15 خلية جهادية تم تفكيكها خلال الشهرين الماضيين أظهرت أن الجماعات الجهادية التي بايعت تنظيم الدولة الإسلامية وفي مقدمتها جماعة "أنصار الشريعة" و"كتيبة عقبة بن نافع" تخطط للقيام بهجمات على الفنادق في المدن السياحية تستهدف السياح الأجانب ومؤسسات الدولة السيادية.

ويعد "ملف الجماعات الجهادية" سواء منها تلك التي يقاتل عناصرها الدولة التونسية أو التي يقاتل عناصرها في صفوف الجماعات الجهادية في سوريا والعراق وليبيا من أخطر الملفات التي تواجهها حكومة الحبيب الصيد الائتلافية بين علمانيين وإسلاميين خاصة بعد أن بات الجهاديون التونسيون يتصدرون قائمة المقاتلين في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية بأكثر من 3000 آلاف مقاتل يتولى العشرات منهم مراكز قيادية في التنظيم الذي يقوده أبو بكر البغدادي.

وقاد تنامي خطورة هجمات الجماعات الجهادية بتونس إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية التي تبدي اهتماما بتدهور الأوضاع في ليبيا وتداعياتها على جارتها تونس حيث أعلنت السلطات التونسية والولايات المتحدة الأمريكية في بداية شهر سبتمبر 2015 أنهما رفعا من مستوى التعاون الإستخباراتي بينهما بهدف تعزيز مكافحة الجماعات الجهادية" فيما قال خبراء أمنيون وعسكريون أن تعيين واشنطن دانيال روبنشتاين سفيرا جديدا لها في تونس يعد مؤشرا قويا على أن واشنطن تسعى إلى الرفع من مستوى التعاون الإستخباراتي في ظل ارتفاع منسوب المخاطر التي باتت تهدد المنطقة نتيجة تزايد هجمات الجهاديين.

وكشفت آن باترسون مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط في أعقاب لقاء جمعها بالحبيب الصيد رئيس الحكومة بتونس العاصمة في 1 سبتمبر/ايلول 2015 أن اللقاء تدارس "التعاون الثنائي القائم بخصوص التبادل الاستعلامي الوثيق والتنسيق المعلوماتي المستمر بين البلدين حول ملف الإرهاب من أجل تأمين التصدي الناجع لهذه الآفة" التي تهدد المنطقة بكاملها.

وقالت السلطات التونسية في فبراير/شباط أنها اتفقت مع واشنطن على تزويدها في النصف الثاني من عام 2015 بـ 8 مروحيات قتالية من نوع "بلاك هوك"من أجل تعزيز قدراتها على مقاومة الجهاديين وقالت أن المروحيات ستخصص للقيام بعمليات هجومية ضد مخابئ الجماعات الجهادية المتحصنة بمرتفعات جبال الشعانبي المحاذية للحدود الغربية مع الجزائر.

وتتحدث تقارير إستخباراتية وإعلامية عن "وجود عسكري أميركي" في منطقة الصحراء بالقرب من المثلث الحدودي بين تونس والجزائر وليبيا تتولى مراقبة تطور الأوضاع في ليبيا وتحركات مقاتلي الجماعات الجهادية في المنطقة.

وكشفت وثيقة تتضمن فحوى مذكرة تفاهم بين تونس وواشنطن تم توقيعها أوائل مايو/ايار خلال زيارة قائد السبسي للولايات المتحدة أن واشنطن قررت تحويل 30 مليون دولار لفائدة المؤسسة العسكرية التونسية، أي بزيادة تناهز 50 بالمائة مقارنة بالعام 2014 وذلك للرفع من "جهوزية الجيش التونسي في مقاومة الجماعات الجهادية وحماية حدودها الجنوبية الشرقية مع الجارة ليبيا من تسرب الجهاديين إلى داخل البلاد".

وتبحث الإدارة الأميركية مع الكونغرس إمكانية دعم تونس على مستوى وزارة الداخلية بتخصيص 7 ملايين دولار لدعم أداء الأجهزة الأمنية في تصديها لخطر للجماعات الجهادية.

ويرجع المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي تعزيز التعاون الإستخباراتي بين تونس وواشنطن إلى نوع من التحول في رؤية واشنطن لتطور الأوضاع في المنطقة حيث يرى ان "الولايات المتحدة باتت أكثر اقتناعا بأن تونس توجد حاليا في منطقة خطيرة جدا من الناحية الأمنية"، مضيفا أن "التطور السيئ للأوضاع في ليبيا جعل الأميركيين يعتبرون أن مواجهة تونس للتنظيمات الراديكالية تمثل أولوية قصوى خاصة مع تمدد تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا وبسط سيطرته في مدينة سرت".

ويرى دبلوماسيون إن تعيين دانيال روبنشتاين سفيرا للولايات المتحدة بتونس خلفا لجاكوب والس "يعد مؤشرا قويا على أن واشنطن باتت تراهن على تعاون استخباراتي مكثف مع تونس في ظل المخاطر الأمنية التي تهدد المنطقة بأسرها" لافتين إلى أن "وروبنشتاين يمتلك تجربة وخبرة بشأن العمل الإستخبارتي ومعرفة بالأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وهو يعد من أبرز الدبلوماسيين الأمريكيين الدين شغلوا منصب النائب الأول لمساعد وزير الخارجية في مكتب الاستخبارات والأبحاث".

ويقول مراقبون آخرون إن اتفاق رفع مستوى التعاون الإستخباراتي بين تونس والولايات المتحدة الأميركية "يعد مؤشرا على أن واشنطن ما زالت تتوجس خيفة من الوضع الأمني في تونس" على الرغم من الجهود الكبيرة التي قادتها حكومة الحبيب الصيد لمكافحة الجهاديين مند تشكيلها قبل أربعة أشهر.

ولا يخفي الخبراء الأمنيون والعسكريون أن "الجماعات الجهادية كثيرا ما استفادت من غياب شبكة استخبارات قوية ودقيقة في تونس للقيام بهجماتها بعد أن تم تمزيق نسيج شبكة الاستخبارات التي كانت قائمة قبل انتفاضة يناير 2011" مشددين على أن أهم الإخلالات الأمنية التي تواجهها الأجهزة الأمنية والتي تمثل عائقا أمام الرفع من نجاعة أداءها "تتمثل في شح المعلومة".

وقاد تدهور الأوضاع في ليبيا والاحتكام للغة السلاح من جهة، وتمدد تنظيم الدولة الإسلامية الذي بسط سيطرته على عدة مناطق إستراتيجية وفي مقدمتها مدينة سرت من جهة أخرى، إلى خلط الأوراق الأمنية في ليبيا وتونس والجزائر باتجاه ارتفاع منسوب خطر الجماعات الجهادية على المنطقة حتى أن تلك البلدان باتت أكثر خشية من تعرضها لهجمات دموية قد ينفذها الجهاديون خلال الفترة القادمة بعد تسللهم إلى أراضيها مدججين بالسلاح.

ويشدد الخبراء على أن الوضع الأمني بالمنطقة بات يتطلب حالة قصوى من الاستنفار الأمني والعسكري في إطار خطة إستراتيجية ترفع من مستوى التنسيق الأمني والعسكري والإستخباراتي بين كل من تونس والجزائر ومصر" ملاحظين "أن الهجوم الدموي الذي قام به جهادي تابع لتنظيم الدولة الإسلامية على سياح أجانب مقيمين بفندق في مدينة سوسة التونسية "لم يكن استعراضا للقوة وإنما هو أعمق من ذلك، إذ أنه يمثل تحولا نوعيا في إستراتيجية هجمات الجماعات الجهادية وتمهيدا لمرحلة أكثر جرأة وخطورة".