العراق: التغيير لن يأتي فقط من ساحة التحرير!

قد يبدو هذ العنوان استفزازياً بالنسبة للكثيرين، لا بأس، فالإستفزاز مطلوب، لا كمناكدة، وإنما كأسلوب لا بد منه في حالتنا الراهنة.

وقبل أن نبدأ نتساءل، هل حددت ساحة التحرير طبيعة التغيير الذي تطالب به، حدوده العليا والدنيا، وما يمكن إنتظار تنفيذه، وما يستلزم تنفيذه حالاً، وما لا يمكن التنازل عنه، وما يجمع ولا يفرق، ويصب مباشرة في مصلحة أوسع شرائح المجتمع؟

كمتابع يمكنني القول أنها لم تحدد، لقد كانت الساحة ساحات، كل مجموعة منعزلة عن الأخرى، وتردد مطالبها المختلفة عن الأخرى. بعض المطالب جذرية، وواقعية، وبعضها مثير للسخرية.

البعض يتصور أن هذه حالة صحية، فالساحة تعبر عن الناس بمختلف ألوانهم ومستوياتهم، لكن هذا البعض ينسى أننا لسنا في مهرجان، ولا كرنفال، ينشد فيه من ينشد، ويرقص فيه من يرقص، وإنما نحن إزاء مظاهرات مطلبية، وأن هذه المطالب لن تجد طريقها للتنفيذ من دون إزالة العائق، أو تقليل حجمه وتأثيره، وهذا العائق هو الفساد، وأسباب الفساد واضحة لمن يريد أن يعرف، غائمة عائمة، غير مدركة، لمن لا يريد أن يعرف.

ليس بمقدور أحد، أن يحول المظاهرات من مطلبية إلى سياسية بناءً على رغبات ذاتية، أو فئوية، وإنما هذا التحول يأتي بناء على تطور التظاهرات ذاتها، وتوسعها، وتعمقها، وتراكم إنجازاتها، وعجز السلطة الحاكمة عن تقديم علاجات حقيقية لمطالب المتظاهرين، وهذا يعني عجزها عن الاستمرار بالحكم، وهذا يستوجب تغييرها، وتغيير النهج الذي كانت تسلكه، وبالتالي تغيير النظام برمته.

يصبح تغيير السلطة في هذه الحالة ضرورياً، لأن متطلبات الناس ما عاد بالإمكان تأجيلها، أو القفز عليها، أو تمييعها.

إذن الجوهري في هذه الحالة هو مطالب الجماهير التي خرجت بالإساس من أجل تحقيقها، والتي لم يتم تنفيذها، هكذا يجري الانتقال من المطلبية إلى السياسية، وساحة التحرير لم تصل هذا المستوى بعد.

يمكن لساحات العراق وشوارعه في مدن العراق قاطبة ألا تغص ببضعة عشرات الآلاف كما هو حاصل الآن، بل بالملايين، وعندما تصل أعداد المتظاهرين إلى هذا الحد، تصبح هذه هي الشرعية التي لا تقف إزاءها أية شرعية، لا السلطة التنفيذية، ولا التشريعية، ولا حتى السلطة القضائية، وتفعيلاً لمبدأ الشعب مصدر السلطات، يصبح المنتفضون هم الشرعية التي لا شرعية تضاهيها.

قدر عدد الذين في ساحة التحرير في الجمع الأولى بين 15 ألفاً إلى عشرين ألفاً، وعندما اشترك التيار الصدري ارتفع العدد إلى أكثر من الضعف في أحسن التقديرات، وهذا يعني أن عدد أتباع فصيل واحد من الفصائل الإسلامية أكثر من مجموع من كانوا في الساحة، فهل إنتبه المنظمون للتظاهر إلى هذا الأمر؟

هذه الحقيقة تبين أن شعارات من نمط إقصاء الإسلاميين ستكون مضرة، وغير نافعة، وهي تأخذنا بعيداً عن جوهر المطالب التي تتركز على الفساد، والفاسد إسلامي وغير إسلامي، حازم الشعلان، وأيهم السامرائي، والمطلق، وعشرات غيرهم لم يكونوا إسلاميين، بل كانوا على الضد من الإسلاميين، هذا من جهة، و من جهة أخرى، فأن واحدة من أهداف التظاهر الوقوف بوجه الإقصاء، أي كان هذا الإقصاء، وإلا لا يعقل أن نبدل( إستبداد بصبغة دينية ) بـ (إستبداد بصبغة علمانية)، ثم لا يحق لأحد أن يقصي أحداً حتى لو كان الأقوى فكراً ومنهجية والأكثر عدداً، وإلا ستخرج عملياً عن ما تظاهرت من أجل تحقيقه.

يمكن أن تكون الجماهير في الساحة هي العنصر الحاسم، عندما يتم كسب أعداد أكبر من الجماهير وزجها في الساحات والشوارع، ولا خيار آخر أمامك، وليس ثمة ظروف تسمح في الحالة العراقية بإنقلاب أهلي، أو مدني كما يسميه البعض، ولا حتى إنقلاب عسكري، ليس لأن زمن الإنقلابات ولّى، وإنما لأن الحالة العراقية أضحت من التعقيد بمكان، بحيث لا يستطيع أي طرف حسم الصراع لصالحه عن طريق العملية الجراحية، ولا حتى عن طريق الديمقراطية، ولعل شعارات مثل (التخويل)، و( إعلان حالة الطوارئ) ليست في حقيقة الأمر سوى إنتحار سياسي للداعين لها وللقائمين بها.

إن الشعارات غير الناضجة، وغير الحصيفة، قد تعبر على حالة فردية ناقمة لأسباب فردية، لكنها مهما علت نبرتها سيكون تأثيرها محصوراً بالحيز الذي تُطلق فيه، وبالوسيلة الإعلامية التي تروجها، وسيكون لها مردود عكسي مُسيء ومضر بالحراك، وربما تتسبب في تشتته وإجهاضه في نهاية المطاف.

إن تصور البعض أن رفع شعار يردده بضعة أشخاص ضد أميركا سينهي التدخل الأميركي، ورفع شعار ضد إيران سينهي التدخل الأيراني، لا يعدو أن يكون وهماً، إن لم نقل سذاجة سياسية.

رفع شعار ضد أميركا سيخرج للتظاهر السياسيين الذين هم ضد أميركا أصلاً، سواء إحتلتنا أم لم تحتلنا، لكنه لا يحرض الذي هو عاطل، أو لا بيت له، أو لا يتمتع بالكهرباء والماء الصافي، والنقل المناسب، والتعليم اللائق، والطبابة الضرورية، ولا الثكلى التي تريد جثة إبنها، وطبيعي فإن عدد من سيخرج للتظاهر تحت هذه الراية سوف لن يتعدى بضعة آلاف، وسنكون مخطئين إن تصورنا أن الناس تعرف اللعبة من ألفها إلى يائها، وتعرف غازل الخيوط وناسجها، ولو كان الأمر كذلك لما وصلنا إلى الحالة التي نحن عليها.

ورفع شعار ضد إيران سيخرج للتظاهر أولئك الذين دأبوا على العداء لإيران الفارسية الصفوية المجوسية، سواء كانت شاهنشاهية أم خمينية، وأيضاً سوف لن يتجاوز عدد هؤلاء بضعة آلاف أيضاً، وسيبعد قاعدة عريضة ممن يشمون رائحة طائفية من وراء مثل هكذا شعار، والذين يرون أن إيران وسوريا وحزب الله يشكلون الممانعة الأخيرة بوجه الهيمنة وإنهيار المنطقة كلياً، والذين لا يحتاجون لمن يدلهم على العواصم والمدن التي تأوي الإرهابيين والفاسدين، والتي تكون المحطة الأخيرة لأموال العراق المنهوبة.

إن هذين المثلين يشيران إلى الفرق بين من ينظر حوله وتحت قدميه، ويرفع من الشعارات ما في تحقيقه مصلحة للناس، وبين من لا يعنيه هذا ويريد تمرير أهداف سياسية لم تخرج الناس من أجلها، على الأقل في المرحلة الراهنة.

لقد أنهت التظاهرات الإسبوع الخامس، وعلينا أن نتساءل ما الذي تحقق؟

لا ينفع القول بأن الطريق مازال طويلاً، فما أدراك أن مركبتك مزودة بالوقود الكافي لقطع المسافات الطويلة؟

ماذا لو تناقص الوقود، ونفذ في نهاية المطاف؟

كي تلعب مع الأبالسة عليك أن تكون إبليساً، وإلا فستندب حظك، أما هم فسيغرقون بالضحك.