أريد أن أموت!

الدولة اليمنية تستعيد أراضيها من يد الإنقلابيين الحوثيين، هل هناك معترض على ذلك؟ هذا ما يحدث الآن بمساعدة قوات التحالف العربي، اعتقد أن الأمر مستفز لمن لا يعون كارثية أن اليمن أصبح محتلاً من قبل خلية إيران الأمنية المعروفة اصطلاحاً باسم أنصار الله وأن جيش الدفاع العربي المشترك أصدر لأول مرة في تاريخه قراره الحازم بالمشاركة الجوية بناءً على طلب عاجل من الرئيس عبدربه منصور هادي للتدخل في اليمن وتدمير القدرات العسكرية لتلك الخلية الإيرانية التي سيطرت على أسلحة البلد الفقير بصورة مفاجئة وغير متوقعة، دفعت بعناصر قوات الحرس الجمهوري لقصف عدن الجميلة، والمرور على المعسكرات الوطنية الرافضة للانقلاب لإخضاعها ونسفها وإرسال الصواريخ العشوائية على المواطنين العُزل في مختلف المناطق اليمنية التي قاومت ذلك المشروع البغيض، أو التي استسلمت بخيانات قاداتها ومسؤوليها الأمنيين والعسكريين.

الرئيس هادي يستعيد اليوم دولته ويُشكل جيشه الجديد بتدمير كل قدرات الجيش السابق الذي خانه ولم يحترم نفسه ودوره الوطني أو تراتبيته العسكرية وقسمه الدستوري بحماية الجمهورية والوحدة والثوابت الوطنية، أتكلم بألم عن مواطنين يمنيين أشاهدهم صغاراً يرتدون بزات الجنود ويذهبون كالقطيع للموت في محارق المقاومة التي اشعلت من فوقهم ومن تحتهم نار جهنم، وكان على الذين يلقون بأولادهم إلى التهلكة أن يحذروا من عواقب تلك النيران التي ستذهب بهم وعوائلهم إلى الجحيم.

اليمن الجديد لم يستعن بأميركا واسرائيل كما يدعي الحوثيون الذين استخدمتهم إيران لتحقيق أغراضها السيادية بإبتزاز دول العالم للقبول بملفها النووي، وترك اليمن نهباً لكل شيء خارق للعادة، ولسيناريوهات المجهول الذي لا أظنه سيكون كارثياً إذا أستسلم الحوثيون بشجاعة غير معهودة منهم، ومنحوا القرار الأممي 2216 القبول اللازم والتنفيذ الفوري، والعودة المجردة من السلاح إلى طاولة الحوار السياسي، وتشكيل مبادرة إنقاذ يمني، يكون للجيش الجديد الذي لا يخون أو يرتبط بأي تنظيمات مسلحة خارج إطار الدولة، فيها مساحته الضامنة لتوازن التكتلات الوطنية التي لم تتورط في الأعمال الارهابية على الأبرياء والمواطنين العزل.

قرأنا كثيراً عن العروبة، وعن التاريخ المشترك والأرض واللغة، ووجدنا أن الخائنين الحوثيين يهتكون عذرية العقل والدولة والفكر اليمني العربي الأصيل باستئجار فرق اغتيالات اكاديمية وثقافية لتحويل جرائمهم إلى بطولات نقية خارقة، وتلك كارثة العدوان النازف التي أوجبت على كل حر في هذه الأرض الطيبة أن يجعل المقاومة خياره الاستراتيجي، إلا أني ألجأ إلى السلام، والأمن، فكلنا يعرف كم هم الحوثيون مجرمون ولصوص تاريخ وناهبون وقحون لكل ما في هذا البلد التعيس من قدرات وموارد.

نعرف أنهم قتلوا ودمروا وطاردوا ولاحقوا كل معارض لهم، استبدوا بقدرتهم العسكرية الفجة، ولم يمنحوا اليمنيين مذ ظهورهم أملاً واحداً في البناء والسلام، فلم يراعوا مال الدولة ولا جيب المواطن ولا نفط الوطن، لم يمنحونا الضوء من أول يوم دخلوا فيه إلى صنعاء، كل من اعترض أو تبرم أو كتب منشوراً معادياً على مواقع التواصل الاجتماعي اعتقلوه وعذبوه، كل من وصفهم بالبغي والشرور اختطفوه ونهبوا ممتلكاته ودمروا منزله، انهم يوقظون في الروح الميتة لعنة الغضب، وتراجيديا الألم.

فكروا معي..كم عدد الأرامل التي بكت وانتحبت على قراها وعيالها ومدنها ودورها؟ كم هم الآباء الذين أيقظ فيهم الحوثيين نار الكراهية وبشاعة الإنتقام وغريزة الثأر المجنون؟ الحوثيون يحولون كل من يقع تحت تأثيرهم إلى وحش قاتل وبائس، اذهبوا إلى مناطق صعدة ودماج وعمران وصنعاء وإب ويريم وذمار وحجة والمحويت وعدن وتعز..اطرقوا كل باب وأسألوا كل عجوز، وكل فتاة، ستبكي الأرض، وتنتحب السماء، ويهتز عرش الإنسانية وضمير العالم الأبكم وهو يريد تحويل بلادنا إلى قوات متضاربة وحشية لعينة، يريد ليمننا مستقبلاً بلا أمن أو حياة، يريد الحوثيين نسخة مكررة من داعش العراق، أو سوريا، فإن لم نقبل به أرسل علينا الحوثيين الدواعش بتبديل الشعار من أنصار إلى الله إلى أنصار الشريعة، وقد صار البحث عن داعش الطريق الأسهل لكل أفاك لئيم.

نحن نبحث عن الدولة والجيش والأمن، عن السلام الذي يجعلني أعود إلى منزلي، أكتب ما أريد، حتى ينام عزرائيل إلى جواري ويقبض روحي بهدوء، هذه هي رسالتي: أريد أن أموت بعد ستين عاماً من الآن، تلك أمنيتي، وقد صرت كاتباً عظيماً، تنشر لي كل صحف الدنيا، أورث الفخر لعيالي، وأصدقائي، أريد أن أنام مطمئناً، فلا يلاحقني البغاة على عبارات أغضبتهم، يقتادونني من ناصيتي إلى حيث أكره، يلقون على رأسي تهماً ما أنزل الله بها من سلطان، أريد أن أكون عجوزاً طيباً، أجلس أمام منزلي على مقعد خشبي صغير، وحولي أحفادي يلعبون ويتعربشون بجسدي الضخم، يسألون عن عروق يدي الظاهرة من وراء الجلد المنهك، وعن تعرجات الشيخوخة، فلا يقتلني مجهول غاضب فوق دراجة نارية، لا أريد أن أموت برصاصة، أو بصاروخ، لا أريد أن أموت في الزحام، لا أريد لأحد في هذا العالم أو في بلدي أن يموت بأي طريقة كانت، أريد أن اضحك وأصلي وأتصدق وأعمل الصالحات، وأمنح الآخرين الابتسامة والفائدة، وأحلم أن أكون مهماً ونقياً وطاهراً كنبي غير مرسل!

لماذا يسرق الحوثيون مِنا هذه الأحلام البسيطة، ويظلموننا، لماذا حين أردنا أن نقاومهم صرنا خائنين وفاسدين، وما كنا كذلك ولن نكون، لماذا حين استعانت عدن ومدن الجنوب والوسط بالغوث العربي، صرخ أخي الذي يقتلني، أنت خائن يا فتى! ويسألني وهو يذبحني لماذا لا تريدني أن اقتلك؟

لقد منع التحالف العربي الحوثيين من شهوة القتل والتدمير التي أدمنوا عليها، فلا تأسفوا على القتلة، وابكوا الأبرياء الذين يتساقطون بلا ثمن سوى أنهم عبروا أمام كل هذا الدمار الذي يجب أن يتوقف وما كان لهم أن يعبروا إلا أنهم أرادوا الموت على أسرّتهم بهدوء بعيداً عن أسلحة الحوثيين، فما سمح لهم أحدٌ بذلك.

ما أجمل أن تموت مطمئناً على فراشك، بلا بندقية أو جهاد زائف، أن تموت في مدينتك فلا تقتحم مدن الآخرين ولا مؤسسات الدولة، ولا تغتصب شيئاً، أن تمارس الحلال في كل شيء، إنه حُلمي..الموت بهدوء والدفن بجوار قبر أمي!