سبعة بيوت وعمارة واحدة ومن عائلة ثرية

يستعد المسؤول بكامل اناقته وربطة العنق الحرير والمنديل الذي يتدلى من جيبه، اللحية المشذبة على طريقة العباد والنساك، فيما فريق العمل التلفزيوني منهمك في اعداد المصابيح وفحص الصوت والارتباط بالبث المباشر بالقمر الصناعي.

المسؤول هاتفه النقال لم يتوقف عن الرنين حتى اوعز لحراسه بإسكاته لان عنده مقابلة تلفزيونية مهمة تجري في فيلته الفخمة المطلة على دجلة الخير وام البساتين كما سماها الجواهري العظيم.

لكن المسؤول الذي يؤمن بالبر والتقوى والذي غذى وجهه بكريمات ماركة فيتشي لانعاش البشرة لم يكن يتوقع ان معد ومقدم البرنامج كان قد اعد مقلباً غير متوقع يشبه برامج الكاميرا الخفية لكنها هذه المرة ليست كاميرا خفية كوميدية بل تراجيدية تماماً.

ففيما كان "معاليه" على وشك الظهور على الهواء بحسب مصطلحات التلفزيونيين تدخل المشهد امرأة في حوالي الستينيات من عمرها بشكل مفاجئ وما ان تجلس وتلتقط انفاسها حتى تلوح بسبابتها المرتجفة: أيها المسؤول انك تجلس في بيتي، هذا بيت آبائي واجدادي وانت اغتصبته عن طريق محتالين، لتبدأ الدراما.

هذا الذي عرضناه هو حصيلة برنامج تلفزيوني تورط فيه مسؤول عراقي رفيع بالظهور في وضع لا يحسد عليه لينتقل الامر الى حقيقة الذمم المالية للمسؤولين العراقيين كم هي وما هي قبل العام 2003 وكم اصبحت الان وكيف تضخمت بهذا الشكل الصاروخي العجيب وما هي مصادرها الحقيقية وما هو المخفي منها؟

ليس اليوم لدى سواد كبير من الشعب العراقي من هم ولا هدف اسمى من فضح حيتان الفساد، الكل يسمي اولئك الفاسدين بأسمائهم وصفاتهم ومواقعهم الحزبية والحكومية، وتغص مواقع التواصل الاجتماعي بصورهم وهذا المسؤول ليس الا عينة واحدة منهم.

هو كما يجمع جيرانه ابان حقبة التسعينيات من القرن الماضي ينحدر من عائلة متواضعة جدا، والده كان يعمل سائق سيارة اجرة وهو واحد بين العديد من الاخوة في عائلة فقيرة اشتدت عليها سنوات الحصار العجاف التي ضربت حياة العراقيين بعد حرب الخليج الثانية 1991.

وكما هاجر كثيرون الى مناف عدة كان لهذا الشخص منفاه وكما اطعم المنفى ضيوفه القادمين من كل فج عميق واسكنهم كذلك فعل مع هذا المسؤول الرفيع من المساعدات الاجتماعية التي تدفع للمحتاجين وعديمي الموارد المالية التي تكفيهم للعيش.

هنا يتدخل المسؤول محتجاً بشراسة في وجه المتشككين في املاكه ويقول انه لن يخفي شيئاً من تلك الاملاك ابداً، انها تتكون من عمارة واحدة واربعة بيوت ثم ليصحح الرقم الى سبعة بيوت وفي رواية اخرى عمارة وفندق وسبعة بيوت وفي رواية ثالثة عمارة وفندق وعدة بيوت تتوزع ما بين بغداد وعاصمة اوروبية.

هي ظاهرة جديدة في حياة الطبقة الجديدة المرفهة من اصحاب العمارات والاملاك والثروات المتضخمة في عراق ما بعد 2003، تتمثل في "شطارتهم" الفائقة في اصطياد واكتناز المال خلال اقل من عقد من الزمن والوصول الى الملايين من الدولارات املاكاً وارصدة، هذا لا يحصل في بلد غير العراق، وكل هؤلاء عندما يستجوبهم الاعلام، كلهم يجيبون اجابة واحدة مشتركة وكأنها متفق عليها وهي: انني اصلا انحدر من عائلة ثرية، اهلي من اصحاب الاملاك او من التجار والمسؤولية والمنصب في الدولة لم تضف لي شيئا. وكلهم يشيرون بأصبع السبابة قائلين: اتحدى ان يثبت علي شخص اي اثراء كبير واملاك بعد 2003.

هنا ستتساءل شرائح كثيرة من الشعب فيما يتعلق بهذه الطبقة المترفة من محدثي النعمة فيما يتعلق بالاموال السائلة، ترى من يمتلك كل هذه المصارف الاهلية وشركات الصرافة التي صارت تنتشر كالفطر في اهم شوارع بغداد وبشكل مفاجئ؟ ومن عمل وما يزال يعمل من خلال شبكة اخطبوطية من العائلة والاقارب والاتباع في تبييض العملة؟

يذكر تقرير برلماني نشر مؤخرا وبكل وضوح وصراحة ان مصرفاً واحداً من تلك المصارف حديثة النشأة، قام بشراء مبلغ 8.8 مليار دولار ما بين 2012 ـ 2015 فقط، و قام بتحويل مبلغ اكثر من 6 مليارات دولار إلى احد المصارف في بلد مجاور. كما قام المصرف ذاته بتحويل مبلغ 1.8 مليار دولار الى مصرف آخر، بينما قام بتحويل اكثر من نصف مليون دولار الى مصرف ثالث. ويؤكد تقرير اللجنة المالية البرلمانية ان هذا المصرف ارسل إلى احدى شركات الصرافة في بلد مجاور مبلغ اكثر من 5.5 مليار دولار.

ويتطرق التقرير البرلماني الى قيام مصرف عراقي محدث آخر بتحويل اكثر من 7 مليارات دولار بين 2012 ـ 2015، ويقول التقرير ان اكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات لا احد يعلم الى أين ذهبت وان الكثير من المصارف الأهلية العراقية اليوم لدى كل واحد منها العديد من الشركات التجارية الوهمية، وهي تأتيه يوميا بمبالغ طائلة وارباح سريعة من تبييض العملة في شكل ايرادات نقدية تدخل في حساباتها وتحول الى هذه المصارف التي بدورها تدخل في مزاد البنك المركزي بشكل مستمر.

ويتحدث التقرير ايضاً عن "زبائن" كثر كانوا قد حرروا ما يعرف بـ"الشيكات الطيارة" اي شيكات من غير رصيد على مصارف حكومية بمبلغ يتجاوز 6 تريليونات دينار عراقي، وقاموا بشراء اكثر من 3 مليارات دولار.

هذه الحصيلة متورط فيها عدد من كبار المسؤولين وكبار موظفي الدولة بل ان مصارف وشركات صرافة من التي ظلت تثري من هذه التجارة فائقة السرعة والمربحة ارتبطت اما بمسؤولين او اقارب مسؤولين، ولم يتورع مسؤول كبير في وزارة الداخلية يوما ما عن ان يصرح في برنامج تلفزيوني انه كان يعمل في دكان للخضار في المنفى وهو اليوم يمتلك اكثر من شركة صرافة من ماله الحلال الزلال ومن راتبه اضافة الى انه كذلك كما ذلك النجم التلفزيوني السابق ينحدر من عائلة ثرية.

ولم يتوان مسؤول اخر عن انكار صلته بشركة طيران خاصة وقال بكل وضوح، نعم يمكنني تملك شركة طيران لأن عندي المال الكافي ولكنني لا ارغب في ذلك وانا رجل معروف بالثراء ومن عائلة ثرية.

وكأنها تعويذة اتفق عليها اثرياء واباطرة الطبقة السياسية الجديدة في عراق ما بعد 2003، كلهم عندهم عمارة واحدة وعدة بيوت، كلهم لديهم ارصدة وشركات، وايضا كلهم ينحدرون من عائلات ثرية وثرواتهم الضخمة تراكمت قبل 2003 متحدين الاعلام الذي يصرخ صباح مساء والشعب الذي ما انفك يصرخ فيهم من اين لك هذا ولا من خبر يقين يكشف الحقيقة الرهيبة عن تلك الطبقة التي امتصت خيرات العراقيين وتسلطت عليها بأريحية تامة.