هجمات الجهاديين تدفع التونسيين للالتفاف حول مؤسسات الدولة

المؤسسة العسكرية تحظى بثقة عالية من قبل التونسيين

دفعت هجمات الجماعات الجهادية بالتونسيين إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة ورفعت من نسبة الثقة بها بعد أن باتوا مقتنعين بأن تلك الجماعات التي قويت شوكتها خلال الفترة الماضية تستهدف الكيان الوطني ومكاسبهم السياسية والاجتماعية في مسعى إلى بناء ما تقول "دولة الخلافة" وتغيير نمط المجتمع الذي تسوده ثقافة سياسية مدنية حديثة ترفض ومن الأساس تديين السياسة وتسييس الدين".

وقادت الجهود التي تبدلها السلطات في مكافحة الخلايا الجهادية وتفكيكها إلى ارتفاع منسوب الأمل في المستقبل لدى غالبية التونسيين على الرغم من وطأة الأزمة التي تعصف بالبلاد مند أكثر من أربع سنوات في وضع داخلي هش سياسيا وأمنيا ووضع إقليمي أكثر هشاشة.

وأظهرت أحدث عملية سبر آراء أجرتها مؤسسة سيغما كونساي ثقة التونسيين في مؤسسات الدولة لم تهتز، فالمؤسسة العسكرية تحظى بثقة 96.6 بالمائة، والمؤسسة الأمنية تحظى بثقة 82.6 بالمائة، والحكومة تحظى بثقة 65 بالمائة ورئاسة الجمهورية تحظى بثقة 61 بالمائة.

وتزامنت النسب المرتفعة في مؤسسات الدولة مع ارتفاع نسبة التفاؤل بالمستقبل إذ أعرب 68.8 بالمائة من التونسيين عن تفاؤلهم على الرغم من تشخيصهم الدقيق للمرحلة التي تمر بها تونس حيث قال 47.9 بالمائة أن الأوضاع الاقتصادية في تدهور وشدد 67.5 أن خطر الإرهاب عال فيما عبر 70 في المائة في عملية سبر آراء سابقة عن عدم رضاهم على أوضاعهم الاجتماعية.

ويرجع المحلل السياسي زياد كريشان ارتفاع نسبة ثقة التونسيين في مؤسسات الدولة إلى أن "جسامة الخطر الإرهابي الذي يهدد تونس جعل التونسيين ينتبهون إلى مسألة جوهرية وهي أن وحدها المؤسسات الرسمية والشعبية والمدنية والحزبية قادرة على إنقاذ البلاد".

وقادت هجمات الجماعات الجهادية وخاصة هجوم باردو في مارس الماضي وهجوم سوسة في جوان الماضي باتجاهات الرأي العام في تونس إلى نوع من الإجماع الوطني على أن الدولة المدنية التي تعود جذور نشأتها إلى العام 1705 تخطو نحو "حرب وجود" ضد دولة الخلافة التي تسعى تلك الجماعات إلى بناء "نواة" لها في البلاد مستفيدة من هشاشة عامة نخرت مؤسسات الدولة وأجهزتها ومزقت نسيجا اجتماعيا كثيرا ما حافظ على تماسكه وبثت ثقافة الكراهية والتحريض على العنف السياسي في غياب إرادة سياسية قوية كفيلة بوضع خطة إستراتيجية أمنيا وعسكريا ودينيا وثقافيا من شأنها أن تجفف المنابع التي تغدي ثقافة صناعة الموت.

وفي أعقاب هجوم سوسة الذي خلف 38 قتيلا و39 جريحا من السياح الأجانب أقرت السلطات التي تعاملت مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 10 بشيء من المرونة مع الجهاديين بأن تونس "تلقت ضربة في الصميم" على حد تعبير الرئيس الباجي قائد السبسي الذي شدد على أن الهجوم لم يستهدف السياح فقط وإنما استهدف تونس دولة وشعبا، ولأول مرة يعلن "ضمنيا" الحرب ضد أي حزب يرفع الرايات السوداء "رمز دولة الخلافة" ولأول مرة يستنفر مراكز القرار السياسي والأمني والعسكري لـ"الضرب من حديد" ضد الجهاديين الدين يهددون كيان الدولة المدنية ونمط المجتمع التونسي.

وخلال السنوات الأربع الماضية كافحت قوات الأمن ووحدات الجيش الخلايا الجهادية في سلسلة جبال الشعانبي على الحدود الغربية مع الجارة الجزائر وفي الجهات المحرومة وفي الأحياء الشعبية دون "إسناد سياسي واضح وحازم" وبدا الجيش والأمن وكأنهما يخوضان معارك مع جهازين مماثلين والحال أن الجماعات الجهادية تسعى إلى تفكيك الدولة حتى أن عددا من الخبراء طالبوا السلطات بـ"إرادة سياسية قوية" تسند جهود وحدات الجيش وقوات الأمن.

وعمقت هجمات الجماعات الجهادية لدى الرأي العام الوعي بأن الظاهرة الجهادية نخرت الثقافة السياسية المدنية مستفيدة من حالة التسامح تجاه جماعات الإسلام السياسي التي تعد واجهة تلك الظاهرة، كما عمق الوعي بأن تونس الدولة المدنية باتت تخطو نحو "حرب وجود" ضد الجهاديين.

وتبدو استفاقة الوعي بخطورة تلك الجماعات هي التي تفسر حالة الاستنفار التي تشهدها تونس مند هجوم سوسة سواء على المستوى الأمني أو العسكري أو السياسي، إذ لأول مرة تتحرك السلطة السياسية بقوة وبحزم وتعلن عن إجراءات رأى فيها السياسيون والخبراء مؤشرا على عزم الدولة المدنية على اجتثاث الظاهرة الجهادية فكرا وممارسة.

ويرى مراقبون أن مستقبل الدولة المدنية في تونس مرتبط شديد الارتباط بمدى نجاح البلاد في اجتثاث الجماعات الجهادية وفي مقدمتها خلايا تنظيم الدولة التي تسعى إلى تركيز نواة للتنظيم الأم في سوريا والعراق ملاحظين أن أي نوع من أنواع الاستخفاف لن يقود إلا إلى تنامي مخاطر تلك الجماعات لا على أمن البلاد واستقرارها فقط وإنما على طبيعة دولة المواطنة المدنية ونمط المجتمع التونسي المنفتح سياسيا وثقافيا والمعتل دينيا.

ويشدد المراقبون على أن هجومي باردو وسوسة قادا إلى استنهاض إرادة سياسية باتت أعمق وعيا بأن إنقاذ تونس من الأزمة التي تتخبط فيها مند أكثر من أربع سنوات وتأمين نجاح تجربتها الديمقراطية الناشئة، لن يكون إلا عبر كسب حرب الوجود بين كيان الدولة المدنية والجماعات الجهادية.