موقف احزاب الازمات في اقليم كردستان مما يحصل في تركيا... هل له ما يبرره؟

جاء تصريح صلاح الدين ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا ليمثل الموقف العقلاني الوحيد الذي صدر من طرف كردي محسوب على حزب العمال الكردستاني، فقد دعى السيد ديمرتاش طرفي النزاع (الحكومة التركية والـPKK ) للتهدئة والرجوع الى عملية السلام المجمدة بينهما. موقف ديمرتاش هذا يتطابق مع موقف حكومة اقليم كردستان الذي يؤكد على نزع فتيل الازمة بين الطرفين، فشكل ذلك صفعة قوية لبعض الاحزاب الكردية في اقليم كردستان العراق (احزاب الازمات) والتي تحاول ان تكون ملكية اكثر من الملك في ركوب موجة هذه الازمة والمزايدة على موقف حكومة اقليم كردستان العقلاني.

وبدراسة خريطة مواقف الاحزاب الكردية من القتال الدائر بين حزب العمال الكردستاني (جناح قنديل) وبين الحكومة التركية سنتوصل لاستنتاجات كثيرة... فكما اسلفنا سابقا فان موقف حزب الشعوب الديمقراطي الكردي في تركيا مطابق مع موقف حكومة اقليم كردستان وخاصة مع موقف رئيس الاقليم السيد مسعود البارزاني، يشاركهم في هذا الموقف صالح مسلم رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي السوري (الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني)، فقد نأى بنفسه عن الخوض في الصراع الحالي بين جناح قنديل والجيش التركي حفاظا على مكتسبات حزبه في الارض السورية، ومن المتوقع ان يكون موقف عبدالله اوجلان قريبا من هذه المواقف الداعية للتهدئة، وما محاولات جناح قنديل لتنسيب عملياتها ذات ردود الفعل السلبية عند الاخرين الى الخط الاوجلاني فيه الا دليل على رغبتهم في توريط عبدالله اوجلان المسجون وجناحه (المفترض) مع خطواتهم التصعيدية هذه، هذه المحاولات توضح موقف اوجلان الرافض لما يحصل.

في الجانب الاخر من الخريطة يبرز لنا جناح قنديل لحزب العمال الكردستاني مع احزاب الازمات في اقليم كردستان والمتمثلة بحزب الاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير الكردية، مع مواقفهم الداعية للمزيد من التوتر والتصعيد، ويمكن للشعب الكردي ان يستنتج الكثير من الامور في قراءة هذه الخريطة.

فان كان الموقف التصعيدي لجناح قنديل من حزب العمال الكردستاني له ما يبرره، فان مواقف الاحزاب الكردية في الاقليم ليس لها ما يبررها، فهي تنطلق من مبدأ الفوضى من اجل الفوضى كما هو شانهم دائما في جميع الملفات السياسية سواء داخل او خارج الاقليم... فجناح قنديل من حزب العمال ينطلق في موقفه من محاولة تحريك الامور باتجاه حافة الهاوية لاعادة الحياة من جديد الى عملية السلام المتوقفة بين الطرفين بعوامل جديدة، خاصة وان ما تسبب في توقفها هو رفضهم للمقترح التركي الذي كان يرى ضرورة ابعاد بعض قادة البي كي كي (وعددهم لا يتجاوز الثلاثمائة) الى دولة اوروبية متفق عليها لغاية تمهيد الارضية المناسبة لعودتهم في الداخل التركي، لكن شرط عدم رجوعهم للحياة السياسية بعد عودتهم. قوبل هذا التوجه التركي برفض قاطع من قبل جناح قنديل لحزب العمال الكردستاني وتوقفت المفاوضات الى ان حدث ما يحدث الان من قتال بينهما... بعبارة اخرى فان القتال الدائر حاليا بين البي كي كي وتركيا لا ينطلق من منطلقات قومية كردية بل من حسابات شخصية تتعلق بمصير بضع مئات من القادة، ويبدو ان جناح قنديل مستعد للتضحية بمصير عشرين مليون كردي في تركيا في سبيل رجوع القادة هؤلاء الى تركيا دون شروط.

وان كان قنديل يضحي بأكراد تركيا في هذا القتال، فان الاحزاب الكردية (احزاب الازمات) في اقليم كردستان مستعدة للتضحية بكل مكتسبات اقليم كردستان خدمة لمصالحهم الحزبية. وفي الحقيقة فان احزاب الازمات هذه تزايد على موقف حكومة الاقليم ليس انطلاقا من اسس مبنية على نظرة بعيدة للامور ولا تستند الى طرح سياسي معين بقدر ما تستند في ذلك الى امرين:

الاول – مخالفة موقف حكومة اقليم كردستان في اي شيء وكل شيء بغية احراجها امام الشعب الكردي واظهارها بمظهر المتواطئ مع الجانب التركي. ولو تبنت حكومة اقليم كردستان نفس الموقف التي تتبناها هي الان لتبنت هي موقفا اخر مغايرا لها ولنفس الاسباب.

الثاني – الفوضوية التي تعيشها هذه الاحزاب في بنيتها الفكرية والسياسية، فقد تأسست على فكر الفوضى الهدامة واستمرت على هذا الفكر لغاية يومنا هذا، وتجلى هذا الموقف في تصريحات بعض ساستها بخصوص تفجير انبوب النفط الممتد من اقليم كردستان الى ميناء جيهان التركي.

سبقت عملية تفجير الانبوب هذا تنبؤات من جهات اعلامية محسوبة على البي كي كي بالعملية، وما ان نفذت العملية حتى سارعت شخصيات من احزاب كردستان العراق للترحيب بهذه العملية واعتبارها عملا بطوليا، لكن ما لبث حزب العمال الكردستاني ان برء نفسه من هذا العمل ونسبه لجماعة وصفهم بالمتعاطفين والمندفعين من الابوجيه (استنادا لكلمة "ابو" التي يطلقها بعض البي كي كي على عبدالله اوجلان) وبانكار تنفيذهم لهذه العملية تعرضت الاحزاب الكردية في الاقليم الى احراج كبير.

ان احزابنا في اقليم كردستان العراق مطالبة بان تكون اكثر رقيا في طرحها السياسي واكثر احساس بالمسئولية، ولا ينبغي ان يبقى ادائها السياسي منصبا على كيفية اثارة المشاكل تلو المشاكل في الاقليم، فهي تعي قبل غيرها ان سياسة الازمات هذه هي من اوصلت الحكومة العراقية الى ما وصلت اليها الان ولا داعي لتكرار هذه التجربة المريرة في كردستان بل ولا نريد ان يكون لدينا في الاقليم احزابا مشابهة لحزب نوري المالكي وائتلافه في بغداد.