صاهل المعري وصائل الجولاني

"دَفْعُ الصائل"، الذي "فاجأنا" به أبو محمد الجولاني في مقابلتيه مع الجزيرة في مايو الماضي، استدعى مني مطابقة لفظية قد تكون تعسفية مع رسالة "الصاهل والشاحج" لأبي العلاء المعري.

ودفع الصائل، حسب أئمة الفقه، السلفي خاصة، تعني الدفاع عن نفسك ومالك ضد جار لك، أو أي آخر، مقارنة بـ"جهاد الدفع"، وهو الدفاع عن النفس والمال والدين وكل شيء ضد عدو يغزو البلاد.

والصائل هو الذي يتعدى على غيره. والصؤول من الرجال هو الذي يضرب الناس ويتطاول عليهم.

أما الصاهل والشاحج فهما الحصان والبغل، والاسمان (الصاهل والشاحج) هما صوت كل منهما على التوالي.

والمثل المعروف يقول "إذا قيل للبغل من أبوك، قال: خالي الحصان".

ويُقال إن البغلة (الأنثى) كانت في زمن أبي العلاء وما قبل "مرسيدس" ذلك الزمان للتريض والنزهة لدى الأغنياء والموسرين.

وَضَع أبو العلاء "رسالة الصاهل والشاحج" على لسان فرس، وبغل، وصور فيه جفلة أهل حلب من طاغية الروم، باسيل، وضمَّنها عرضاً لأحوال المجتمع وأوضاعه وطبقاته حين تسقط عنها أقنعتها من الخوف. وضمن المعري في نصوص الكتاب خلاصة ملاحظاته في علمي العروض والقافية، بحيث يمكن أن يستخرج منه كتاب حافل بمصطلحات العروض وغرائب الأوزان.

المطابقة نفسها تستدعيها وفاة زعيم طالبان، الملا محمد عمر، قبل أيام. هُوَ من هو كرأس مساو لأسامة بن لادن قبل ثلاث سنوات، بالرغم من أن رأس المرحوم الأخير كان يساوي عند أمريكا خمسين مليون دولار، أي خمسة أضعاف ما كانت ستقدمه أمريكا لمن يسلم رأس بن لادن قبل "ارتحامه".

في هذا التثليث، الذي لا يتطلب منهجاً، هنا على الأقل، ينبغي أن نقر أن الزمن يبدأ من المعري، وصولاً إلى بن لادن والملا محمد عمر، ثم الجولاني. بالرغم من أن كلام الجولاني مؤسس زمنياً على ما قاله ابن تيمية نقلاً وإفتاء بالاستناد إلى سلفه الصالح هو الآخر.

صاهل المعري، أو فرسه، يروي بالكناية عن زمن تردت فيه أبواب السياسة والحياة، فدخل الأعداء من الأبواب نفسها. أما صائل بن لادن، وكافله الملا عمر، فلا أبواب لهم ولا شبابيك. رفعهما الأمريكان الصائلون أصالة، ليحاربوا الصائل السوفييتي الطارئ، ثم أخفضا لهما باعتبار الأول مؤسس التنظيم الهلامي المسمى للتبسيط "القاعدة"، والثاني زعيم ومؤسس حركة طالبان الأم في أفغانستان.

صائل الجولاني ينتمي إلى ما تدعوه العامة في المثل السائر (دود الخل منه وفيه)، والخل هنا إما نظام بشار الأسد، أو داعش. وأيهما اخترت فقد هلكت.

أراد زعيم "جبهة النصرة لأهل الشام" أن يحارب صائلاً برأس واحدة هو النظام السوري، كعدو للسوريين والعرب والمسلمين والأمريكيين.. إلخ. وبعد خلع الجولاني لطاعة "الدولة الإسلامية في الشام والعراق"، أي "داعش"، أعلن صراحة مبايعته لزعيم القاعدة أيمن الظواهري. وهنا سيرى الجولاني، عاجلاً، أن الشعب السوري صائل يجب محاربته.

الآن لدى الجولاني، و"النصرة"، جمهرة من الأعداء، تبدأ بأبي العلاء المعري، ولا تنتهي بداعش، من بينها زواحف وديناصورات "إسلاموية"، وصائدو جوائز تختلف الروايات في شأن من يقف وراءهم.

كل هؤلاء يدعون أنهم يقاتلون الصائل بشار الأسد. لكن نتائج المعارك التي بدأت عام 2013 والمستمرة حتى اليوم لم تقل شيئاً بعد غير ما يقوله ممول هذه الجهة، أو تلك، في رقعة الشطرنج السورية.

الجولاني في مقابلتيه مع "الجزيرة" ألمح إلى تتلمذه على مقولة "الولاء والبراء" التي أعاد الإخوان المسلمون الاعتبار لها بعدما اعتبرها ابن تيمية، وآخرون، من شروط الإيمان (الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً، والبراء: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار).

في زمن داعش والنصرة وبشار الأسد، اختلط حابل الصائل بصاهل النابل، فلم نعد نعرف راعي الجند من راعي الإبل، ولم نعد نعرف من نوالي، وممن نتبرأ.

حكمة المعري وعلمه، بصاهله وشاحجه، بالحجة، وبالفسحة بين الفكرة والفكرة، هي ما نحتاجه لفهم داعش والنصرة أولاً، قبل التشفي فيهما في يوم إسقاط مغناطيس جذب التطرف في قصر الروضة الدمشقي.