الاتفاق النووي 'حبل' يلتفّ حول رقاب الديمقراطيين الأميركيين

سقوط في فخ التبرير الساذج لقرارات خطرة

واشنطن ـ يكثّف كبار قادة الحزب الديمقراطي وأبرزهم الرئيس باراك أوباما من مجهوداتهم لإقناع الأميركيين الرافضين للاتفاق النووي مع ايران بمعقولية منهجهم في التعامل مع هذا الملف الحيوي للأمن القومي بعد ان اختاروا على نحو مفاجئ مهادنة طهران فيه (الملف النووي) في موقف شكل صدمة لخصومهم الجمهوريين ولعدد من حلفاء الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط.

ويقول مراقبون إن الديمقراطيين يشعرون بورطة سياسية كبرى بعد أن اعطوا خصومهم الجمهوريين ورقة ضغط سياسية قوية وهم على اعتاب معركة انتخابات رئاسية ساخنة قد تتحول أساسا إلى محاكمة لأوباما وحزبه الديمقراطي بسبب إفراطه في الاستهانة بمكانة الولايات المتحدة الدولية وإقدامه عل مغامرة "توقيع الاتفاق النووي مع طهران بينما لا تزال ايران واحدة من ابرز الدول التي تضعها الولايات المتحدة في قوائم الدول والمنظمات الإرهابية".

ويبدو هذا الشعور بالورطة اساسا في التصريحات المتشنجة للمسؤولين الديمقراطيين في الإدارة الأميركية وخاصة في محيط الرئاسة والبيت الابيض، ضد تصعيد الخصوم الجمهوريين ضد الاتفاق النووي مع ايران وتهديدهم بنسفه إن في التصويت المقبل للكونغرس أو حين يأتي الرئيس الجمهوري بعد انتخابات 2016.

ويلقي الرئيس باراك اوباما خطابا الاربعاء سيعتبر فيه المفاوضات حول البرنامج النووي الايراني اهم قرار دبلوماسي اتخذته الولايات المتحدة منذ غزو العراق، وذلك في منتهى محاولاته للدفاع عن الاتفاق الذي ابرم مع طهران.

وقال مسؤول في البيت الابيض طالبا عدم ذكر اسمه ان اوباما سيقول في خطابه امام الجامعة الاميركية في واشنطن ان النقاش الجاري في الكونغرس حول الاتفاق الذي ابرمته ايران مع الدول الست الكبرى في فيينا في 14 تموز/يوليو هو "اهم" نقاش يجريه المشرعون الاميركيون منذ صوتوا في 2002 لصالح قرار سلفه جورج دبليو بوش غزو العراق.

ويقول مراقبون إن الرئيس الأميركي سيكون بهذا الموقف وقد سقط في فخ التبرير الساذج لقرار شديد الخطورة. لأنه ليس صحيحا أن الاتفاق النووي مع ايران قد يعفي الولايات المتحدة من حرب محتملة في الشرق الأوسط، بل العكس صحيح تماما.

ويضيف هؤلاء ان ملفات حارقة ستتشابك فيها مصالح البلدين بشكل متناقض مثل الملف العراقي والسوري وملف تهديد دول الخليج لا شك انها اسباب ترجح الصدام بين الدولتين. ولا تبدو طهران بحاجة للسلاح النووي حتى تقلق راحة الولايات المتحدة في هذه الملفات الثلاثة.

وسبق لاوباما وأن قال مرارا ان ذلك التصويت كان خطأ فادحا جرّ الولايات المتحدة الى حرب دموية وعبثية استمرت ثماني سنوات.

وأوضح المسؤول ان اوباما "سيشير الى ان نفس الاشخاص الذين دعموا حرب العراق يعارضون اليوم (حلا) دبلوماسيا مع ايران، وان تفويت هذه الفرصة سيكون خطأ تاريخيا".

وسبق لاوباما وان اكد مرارا ان البديل عن الاتفاق الحالي مع ايران هو عمل عسكري ضدها، الامر الذي ندد بها معارضو الرئيس مؤكدين ان هذه المعادلة غير صحيحة وان البديل عن الاتفاق الحالي مع ايران هو اتفاق افضل معها.

وكان البيت البيت الأبيض قد استبق تصريحات أوباما "إن من الحماقة على الرئيس القادم للولايات المتحدة التراجع عن الاتفاق النووي مع إيران".

وفي رده على تهديدات أعضاء جمهوريين في الكونغرس بنقض الاتفاقية مع إيران في حال فاز أحد أعضائهم في الانتخابات الرئاسية المقبلة نهاية العام 2016، أوضح المتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست أنه سيكون من الحماقة للرئيس المستقبلي فعل هذا، والسبب الرئيسي هو أن هذا سيكون اتفاقًا قد تم إبرامه، وسوف يكون لدينا فرصة أكثر من عام ونصف لتنفيذ الاتفاق وللتحقق من التزام إيران بهذا الاتفاق".

وبرر إيرنست الثلاثاء وصفه للفعل (بالحمق) إلى كونه "لا يبين ما سيحققه (نقض الاتفاق)، سوى أن يقوي احتمال مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط".

وأشار المتحدث إلى أن التراجع عن الاتفاق النووي مع إيران "سيمزق الوحدة الدولية بشكل كامل عندما يتسلم المنصب رئيس آخر بعد عام ونصف برغم التزام إيران بالاتفاقية، ويقوم بالانسحاب منها بشكل فردي".

ويقول محللون إن منتهى التصعيد الديمقراطي ضد الجمهوريين، يكشف حقيقة تنامي الرفض الشعبي داخل الولايات المتحدة للاتفاق النووي مع ايران، كما يؤكد أن الديمقراطيين قد ذهبوا في الاتجاه الخطأ عندما ظنوا ان اللعب على مشاعر الخوف لدى الأميركيين من اية حرب أميركية جديدة في الشرق الاوسط يمكن ان يجعل من توصلهم للاتفاق المثير للجدل عملا بطوليا سيشكرون عليه كثيرا في بلادهم.

ويضيف هؤلاء إن الديمقراطيين يخشون من أن يكون الرئيس اوباما قد قدم لخصومهم الجمهوريين على طبق من ذهب، "حبل المشنقة" الذي سيمكنهم من القضاء على طموحات مرشحهم المقبل للانتخابات الرئاسية في 2016.

وهدد عدد من المتنافسين على ترشيح الحزب الجمهوري للترشح للانتخابات الرئاسية القادمة بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع مجموعة 5 زائد 1، في حال الفوز بالانتخابات الرئاسية الأميركية نهاية 2016.

وقال رئيس مجلس النواب الأميركي جون بينر تعليقا على الاتفاق النووي إن "أغلبية أعضاء مجلسي النواب والشيوخ يعارضون الاتفاق النووي الإيراني".

وأضاف بينر "من الواضح أن أغلبية مجلسي النواب والشيوخ يعارضون على أقل تقدير هذا الاتفاق. وأما عن عدد المعارضين، فسنرى ذلك بعد عطلة يوم العمل".

وقد يعرقل أي تصويت داخل الكونغرس رفع العقوبات الأميركية الذي وعدت به واشنطن في مقابل تنازلات إيرانية بموجب الاتفاق النووي الذي أبرم في فيينا مؤخرا.

وسيصوت الكونغرس الاميركي قبل 17 ايلول/سبتمبر على مشروع قرار يرفض الاتفاق النووي الذي وقعته الولايات المتحدة والقوى الكبرى مع طهران. ومن شأن تبني قرار مماثل ان يمنع اوباما من تعليق العقوبات الاميركية بحق ايران بحسب ما ينص عليه الاتفاق.

ويشكل الجمهوريون غالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، ويبدو ان تبني هذا القرار غير مضمون في مرحلة اولى، لكن اوباما سيلجأ عندها الى الفيتو، ولتجاوز ذلك على اعضاء المجلسين ان يصوتوا مجددا ويتبنوا القرار بغالبية الثلثين، وهو سقف يصعب تأمينه مع وقوف معظم الديمقراطيين الى جانب الرئيس.

وحتى في حال نجاة الاتفاق من التصويت في الكونغرس فإن الجمهوريين سيكرسون جميع جهودهم للدفع برئيس جمهوري إلى البيت الابض في انتخابات الرئاسة 2016، ليكونوا حينها قادرين على نقض الاتفاق وسهولة.

ويخشى الرافضون للاتفاق النووي من احتمال ان تتحايل طهران على القرارات الدولية التي تلزمها بإخضاع منشآتها النووية للتفتيش، وتطور سلاحا نوويا بعيدا عن الرقابة مستفيدة من بنود الاتفاق الفضفاضة.

ويقول مراقبون إن الإدارة الديمقراطية نحت منحى خطرا بالنسبة للأمن القومي الأميركي ـ في تقدير عدد من مؤسسات الدراسات الاستراتيجية واكبار المحللين ـ عندما قررت التعاطي مع دولة ما تزال تعتبرها عدوا في ادبياتها السياسية بشكل فيه الكثير من "التهاون" وعدم الحرص على المصلحة الأميركية العليا ومصالح الحلفاء في المنطقة.

ويرى هؤلاء أن الجمهوريين مدعومين بعدد من قوى الضغط الأميركية القوية وخاصة تلك التي تنشط في دعم اسرائيل، ينطلقون منذ الآن بحظوظ وافرة لقلب الطاولة على توجهات الإدارة الأميركية تحت ادارة الرئيس باراك اوباما ليس في الملف النووي فقط وإنما في ملفات أخرى على درجة من الخطورة مثل الوضع في العراق وسوريا والتردد في حسم وضع اللاستقرار الذي يشكله الإرهاب بكل صنوفه في هذين البلدين.