إسلاميو العراق.. التظاهرات ومراجعة الذات

ضد الرقم الصعب في السلطة والشارع

تظاهرة بغداد يوم 31 تموز كانت ضد الإسلاميين، إسلاميي السلطة، لسبب بسيط، ان التظاهرات كانت الرقم الصعب في الحكومة بالدرجة الاولى، ضد الرقم الصعب في البرلمان بالدرجة الاولى، لا يعني هذا ان تظاهرة تموز لم تكن ضد بقية المشاركين في العملية السياسية، ولكن في الجوهر ضد الرقم الصعب، في الحكومة، في البرلمان، الكلمة النافذة حتى في الشارع، ليس ضد إسلاميي الحكم بالرسم الحالي، بل ضد إسلاميي الحكم منذ ان تبوّأوا الرقم الصعب بداية سقوط نظام صدام حسين وحتى هذه اللحظة. فقد كان هؤلاء الإسلاميون اصحاب الكلمة النافذة، كانوا فوق القانون في كثير من الاحيان، في اجهزة الدولة، في الشارع، في المؤسسات.

ليس المهم هذا، ليس المهم ان ينتبه إسلاميو السلطة إلى ان تظاهرة 31 تموز عام 2015 كانت احتجاجا صريحا ضدهم، ضد احزابهم، على كيفية ادارتهم للحكومة، على تصرفاتهم في الدوائر والشوارع والمؤسسات، بل المهم ان يقولوا لأنفسهم:نحن إلى أين؟

بكل صراحة، لست مطمئنا ان تكون النتائج على خير فيما اطيح بسلطة اسلاميي السلطة، حكومة العبادي، ربما تكون هناك فوضى عارمة لا يعلم إلّا الله بمصيرها، ربما تكون هناك تمردات وخروق وقتال شوارع، ربما يكون هناك المزيد من تدخلات دول الجوار في شؤون هذا البلد الجريح، لست مطمئنا، ولكن فيما لوحصل اي شيء من هذه الاحتمالات إذا سقطت حكومة إسلاميي السلطة فإن إسلاميي السلطة هم المسؤولن ايضا، فلولا ادارتهم الفاشلة للبلد، لما جنى البلد كل هذه الكوارث.

التظاهرت تهتف بضرورة التغيير، وتهتف بمحاكمة الفاسدين، وتندد بسوء استعمال السلطة، وتندد باستغلال الدين لمصالح فئوية وشخصية وعائلية وحزبية، وبالتالي، هي مشروعة، فلا احد ينكر بان العراق اصبح نهبا لمافيات (رسمية) وغير رسمية، واسلاميو السلطة جزء من هذه المفايات، ولم يعد احد ينكر بان العراق اصبح ساحة لتلاعب ومصالح دول الجوار بواسطة اجندة إذا لم تكن عميلة فهي شبه عميلة، واسلاميو السلطة في العراق، سواء كانوا سنّة او شيعة او كردا من الصعب الحكم بان ارادتهم نزيهة، او حرة على اقل تقدير، فهل تستفز كل هذه الحقائق اسلاميي السلطة لاعادة النظر بالمصير؟ مصير العراق، ومصير الاسلام، ومصير اسلاميي السلطة بالذات؟

إن إسلاميي السلطة مدعوون الى مراجعة الذات، مراجعة المسيرة، ولكن هل من المعقول ان يكون المسؤول عن الجريمة هو الذي يراجع نفسه وذاته ومسيرته ليخرج بنتيجة مأمولة؟

نعم!

إن الضمير، اي ضمير، يمكن ان ينتفض على نفسه، على تاريخه، ولحظة الوعي فيها تقلب كل معادلات التاريخ، هل نسينا انتفاضة القديس اوغسطين على غرائزه، ام هل نسينا انتفاضة تولستوي على ثروته؟

إن اسلاميي السلطة مدعوون الى جلسة مصارحة مع انفسهم، مع شارعهم، مع ربهم، مع قواعدهم الشعبية (!) لينطلقوا من جديد، يستعيدون السيرة الاولى، حيث الاصلاح والبناء والتفاني في سبيل الفقراء والمساكين والدعوة الى الله تبارك وتعالى والايثار....

التظاهرات في جوهرها ليست اعتراضا فحسب، بل هي درس لمراجعة الذات، أقصد الحكومة وصناع القرار السياسي في العراق، وإسلاميو السلطة على رأسهم بطبيعة الحال..

لست أدري ما الذي يمنعكم من مراجعة الذات؟

أخاف كل الخوف من ان هذه المراجعة تفضح الكثير من الاسرار المؤتمن عليها في ما بينكم، ربما هذا هو السبب الاعمق، ولكن كونوا احرارا وانتفضوا على ضمائركم وانفسكم مهما كان الثمن، فان خسارة الآخرة لا يعوضها ربح الدنيا مهما كانت عريضة زاهية و ترفة و ناعمة.

أخاف كل الخوف ان هذه المراجعة تطيح بعروش وكراسي وكروش، ومن ثم يعم البلاء، وينقلب الرخاء الى ضده، وليكن ذاك، لان الاسلام علمنا الثورة على الذات في كل لحظة، والصدق مع الذات يا إخوتي اروع ما في الانسان حتى وان جلب عليه عداء العالم كله.

لقد علمنا محمد درس مراجعة الذات لتصويب اخطائنا ومحو خطايانا، فكيف إذا كانت مراجعة الذات انقاذ بلد وحماية شعب وتحرير امة ؟

التظاهرة، تظاهرة الجمعة، يوم 31 من تموز سنة 2015 دعوة الى إسلاميي السلطة لمراجعة كل المسيرة، لست واعظا، ولكن مجرد مراقب، وليس كل مراقب يموت هماً، نعم،يموت هماً وشقاءً وتفكيراً ذاك المراقب الذي تصرخ في داخله الحقيقة من الإعلان عنها، والضمير من وراء القصد.

غالب حسن الشابندر

كاتب عراقي