الزطلة تعبث بعقول ثلاثة ملايين تونسي

الشباب.. الضحية الأولى

أظهرت دراسة حديثة أن ثلاثة ملايين تونسي يتعاطون المخدرات بجميع أنواعها من بينهم 57 بالمائة من الشباب ذكورا وإناثا وغالبيتهم تتحدر من الفئات الهشة الفقيرة.

وأكدت الدراسة الميدانية التي أعدتها جمعية "فورزا تونس" أن تونس تحولت من أرض عبور إلى سوق لترويج المخدرات من قبل "شبكات خطيرة" لها امتدادات إقليمية استفحلت في المجتمع مند انتفاضة يناير/كانون الثاني 2011 .

وقالت إن السجون تضم أكثر من 8 الاف شخص تعلقت بهم قضايا حول المخدرات إما استهلاكا أو ترويجا من بين 24 ألف دخلوا السجون بسبب الاستهلاك. وأكدت الدراسة أن حوالي 3 ملايين تونسي يتعاطون مخدر القنب الهندي المعروف في تونس بـ"الزطلة".

وقال رئيس الجمعية سهيل بيوض إن 30 بالمائة من المدمنين في تونس هم من الإناث وأن شبكات الترويج تسللت إلى داخل المعاهد الثانوية والجامعات.

وفي بداية العام 2015 صادرت السلطات يختا سياحيا يحمل 5 أطنان من "الزطلة" وفككت شبكة تنشط بين الجزائر وتونس، ما بدا مؤشرا قويا على أن تونس تحولت خلال السنوات الأربعة الماضية من أرض عبور إلى سوق تنشط فيها شبكات خطيرة لها امتدادات إقليمية مستفيدة من هشاشة الأوضاع الأمنية على الحدود الغربية مع الجزائر ومع الحدود الجنوبية الشرقية مع ليبيا.

ولم تكن ظاهرة استهلاك المخدرات وترويجها بجديدة عن المجتمع التونسي غير أنها شهدت انتشارا واسعا في صفوف مختلف الفئات وخاصة الشباب الذي يمثل نسبة 57 بالمئة من مجموع المستهلكين من بينهم 30 بالمائة من الإناث وذلك نتيجة حالة الاضطرابات الاجتماعية و"الخضات النفسية" التي يشهدها مجتمع استفحلت فيه أزمة حادة عمقت الشعور بالحرمان والبؤس.

وتتطابق نتائج هذه الدراسة مع نتائج دراسة أخرى أعدتها وحدة علوم الإجرام بمركز الدراسات التشريعية والقضائية الحكومي وأظهرت أن نسبة المراهقين المتعاطين للمخدرات بلغت 57 بالمائة لدى الفئة العمرية 13 و18 سنة وأن نسبة الذين شرعوا في استهلاك المخدرات لأول مرة منذ سن المراهقة تبلغ 86,8 بالمائة.

وتنخفض نسبة التعاطي تدريجيا بين الفئات الأكبر سنا حيث أنها تبلغ 36 في المائة بين 18 و25 سنة و4,7 بالمائة بين 25 و35 سنة، وهي لا تتجاوز نسبة 2 بالمائة في الفئة العمرية بين 25 و50 سنة.

وارتفع عدد المدمنين على المخدرات بجميع أنواعها في خلال السنوات الأربع الماضية بنسبة 30 بالمائة الأمر الذي أثار فزع الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ونشطاء المجتمع المدني متهمين السلطات بـ"التهاون" في مكافحة الظاهرة التي تنخر المجتمع في ظل تزايد نشاط شبكات متخصصة في ترويج جميع أصناف المواد المخدرة.

الحلقة الأضعف

وأرجع عبد المجيد الزحاف رئيس الجمعية التونسية للوقاية من المخدرات ارتفاع نسبة الإدمان على المخدرات إلى 30 بالمائة خلال السنوات الأربع الماضية إلى "تحول تونس من أرض عبور إلى أرض سوق تباع وتشترى فيها مختلف أنواع المخدرات" في غياب يكاد يكون كليا لأية خطة ناجعة لمكافحة الظاهرة التي نخرت المجتمع التونسي وخاصة الشباب والفئات الهشة التي لم تتحمل ضغط التحولات الاجتماعية وقسوة الأوضاع الاقتصادية وبدا الشباب والفقراء أضعف الحلقات التي فتكت بها المخدرات.

وكانت تونس قبل انتفاضة يناير 2011 منطقة عبور لشبكات ترويج المخدرات إما نحو الجنوب الشرقي باتجاه ليبيا أو نحو الحدود الغربية باتجاه الجزائر أو نحو شمال المتوسط باتجاه إيطاليا، غير أن ظاهرة استهلاك المخدرات في تونس شهدت تحولا خطيرا خلال السنوات الأربع الماضية حيث جعلت منها شبكات متخصصة سوقا بامتياز للترويج والاستهلاك مستفيدة من الانفلات الأمني وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

ومما يؤكد أن تزايد استهلاك المخدرات يعكس عدم قدرة الشباب التونسي على تحمل حدة الأزمة التي تمر بها البلاد وتداعياتها الاجتماعية والنفسية على تركيبة الشخصية أن أكثر من 86 بالمائة من المراهقين ومن الشباب جربوا تعاطي المخدرات خلال السنوات الأربع الماضية.

وبرأي الأخصائي في علم الاجتماع بالجامعة التونسية عبد الستار السحباني فإن تزايد ظاهرة الإدمان على المخدرات خلال السنوات الماضية يرجع إلى "قسوة ظروف العيش وحالة الإحباط الناجمة عن انسداد الآفاق أمام الشباب في ظل تفشي الفقر والبطالة إضافة إلى التفكك الاجتماعي والاضطرابات النفسية".

ولا يتردد الأخصائيون في ربط انتشار إدمان المخدرات بأزمة الدولة وأزمة المجتمع التي تعصف بالبلاد مند أربع سنوات مشيرين الى أن التونسيين كانوا يحافظون على تماسكهم الاجتماعي والنفسي قبل الثورة في ظل دولة قوية ومجتمع متماسك يضمنان التأطير والرعاية ويخففان على الفرد ضغوطات الحياة اليومية، أما بعد الثورة فقد وجد التونسيون أنفسهم أمام غياب شبه كامل لمؤسسات الدولة وانهيار شبه تام لمؤسسات المجتمع ولم يقدر الكثير منهم وخاصة الشباب على التأقلم مع وضع متحرك وضبابي.

وتظهر القراءة في توزيع استهلاك المخدرات حسب الانحدار الاجتماعي أن نسبة الإدمان ترتفع بشكل لافت لدى الفئات الاجتماعية الهشة والمحرومة التي لم تتحمل قسوة التحولات الاجتماعية التي مزقت نسيج العلاقات الاجتماعية وفككت بنى المجتمع وأطره مثل الأسرة والعائلة، إذ تبلغ نسبة إدمان الفتيات في الأحياء الشعبية أكثر من 60 بالمائة بينما تنخفض النسبة إلى 20 بالمائة لدى الفئات المرفهة أو الميسورة وهو ما يؤكد أن حالة التفقير التي تعرض لها المجتمع التونسي خلال السنوات الأربع تمثل أرضية خصبة لانتشار استهلاك المخدرات إلى درجة أنها فتكت بـ12 بالمائة من الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم 10 سنوات.

وتعتبر الأوضاع الاجتماعية ومستوى المعيشة وضعف القدرة الشرائية عاملا مباشرا يغدي استهلاك نوعية المخدرات، ففي الأحياء الشعبية التي ترتفع فيها نسبة الفقر إلى أكثر من 60 بالمائة يدمن الأشخاص على استهلاك المخدرات الخفيفة وفي مقدمتها القنب الهندي "الزطلة" بنسبة 93 بالمائة باعتبار أن أسعارها في المتناول.

ولدى الفئات المترفهة ينتشر الإدمان على استهلاك أخطر أنواع المخدرات مثل الكوكايين والهيرويين بنسبة 97 بالمائة.

غير أن تزايد الإدمان على المخدرات لا يعود فقط إلى أسباب اقتصادية واجتماعية ونفسية فحسب بل يعود أيضا، كما يذهب إلى ذلك خبراء، إلى عوامل سياسية إذ أظهرت دراسة حديثة أن 57 بالمائة من المدمنين يشددون على أن "الوضع السياسي في البلاد هو العامل الأول الذي يقف وراء إدمانهم وأنهم لم يجدوا طريقة أخرى لرفض سياسات غير واضحة لا تعير أي اهتمام للمشاكل، سوى الهروب من الواقع الذي لا يطاق".

الهجرة المخيالية

ويقول السحباني أن "الإدمان هو شكل من أشكال ردة الفعل على رفض الأوضاع السياسية والاقتصادية عامة" لافتا إلى أن "اللجوء الى الإدمان يستبطن موقفا سياسيا خلافا لما تتكتم عنه السلطات، ففي الأزمات الحادة يلتجئ عدد من الأفراد إلى رفض الواقع بوسائل غير سياسية منها مقاطعة ذلك الواقع والهروب منه إما من خلال الهجرة أو من خلال "الهجرة المخيالية" مثل الإدمان على المخدرات بجميع أنواعها.

وخلال العام الدراسي 2014 ـ 2015 أطلق رجال التعليم صيحة فزع بعد أن أثبتت إحصائيات أن 50 بالمائة من تلاميذ تونس مدمنون على استهلاك المخدرات. وتتوزع النسبة إلى 60 بالمائة من الذكور و40 بالمائة من الإناث.

وقال الناشط النقابي الأسعد اليعقوبي إن "المخدرات شهدت خلال الفترة الأخيرة انتشارا رهيبا في صفوف تلاميذ المعاهد الثانوية وأصبح تعاطيها من قبل الفتيان والفتيات ظاهرة تهدد مستقبل الناشئة في تونس".

وأرجع اليعقوبي تعاطي المخدرات داخل أسوار مؤسسات التعليم إلى عدة عوامل نفسية واجتماعية وأيضا إلى المناخ العام الذي تعيشه البلاد والمتسم بحالة من الانفلات والفوضى وانسداد الآفاق أمام التلاميذ".

وقال اليعقوبي إن نقابة التعليم الثانوي لها إحصائيات دقيقة وثابتة تؤكد تغلغل استهلاك تلاميذ المعاهد الثانوية للمخدرات بجميع أنواعها غير أنه لاحظ أن أكثر أنواع المخدرات استهلاكا هي "المخدرات الخفيفة" دون أن ينفي استهلاك أنواع خطيرة جدا.

ودعا الأخصائي الاجتماعي سهيل بيوض إلى عدم اختزال مكافحة الإدمان على المخدرات على تطبيق القانون بل ايضا مقاضاة المدمنين وسجنهم، مطالبا بـ"انتهاج طرق علمية اجتماعية ونفسية وصحية داخل مراكز متخصصة في التأهيل والإحاطة، في مرحلة أولى للمعالجة، ثم إيجاد الحلول العملية لمشاكلهم في مرحلة ثانية".