الصورة الأخيرة لعبدالملك الحوثي

لماذا لم يصدقني عبدالملك الحوثي، ويهرب حيث لا تراه الشمس، يبتلع نفسه، يتظاهر بالاختفاء، يفعل أي شيء، يشرب قنينة ويسكي ويثمل، ثم يأخذ مسدسه الإيراني وينتظر طلائع الفجر، ويطلق رصاصة على رأسه، فقد نحر كل رفاقه عبثاً في مدرسة شهادته وفي سبيل ملازم ورقية مضحكة.

ظهر لنا عارياً، مكتئباً، تائهاً، إلا أن فيها ما يستحق معرفة سبب ظهوره وهو لم يحدد خياراته الاستراتيجية بوضوح كما قيل أنه سيقول! تظاهر بالغضب، وقام علي البخيتي بتحديد الخيار الإستراتيجي الأخطر للحوثيين تزامناً مع خطاب سيده المتلفز، وهو أن يظهر مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح بصورة صامتة وحزينة، تقول أن علاقتهما جيدة بما يكفي لأن يقترب منه وهو يقبض على رأس جنبيته، فيغازل السعودية بالحديث عن "ضرورة" فتح الحوار السياسي مع "كل الأطراف" بما فيها المملكة، فيما يستمر إعتقاد أعضاء حزب الرئيس السابق صالح أن زعيمهم يقود معارك الجبهات القتالية، يقعون تحت تأثير إعلامه الذي صار نسخة مجنونة من صحافة الويل.

الحقيقة أن صالح رهينة لدى الحوثيين وهذا هو الخيار الإستراتيجي غير المعلن، وأن الصورة المنشورة في صفحة القيادي الحوثي علي البخيتي على فيس بوك تكاد تنطق للسعودية بإستعداد الحوثيين التخلي عن صالح وفق صفقة سياسية يمكن أن تكشف رأس الرجل لقوات التحالف العربي. فكلا الطرفين في الصورة يبحثان الآن عمن يقدم رأس الآخر قرباناً إلى قوات التحالف والشرعية.

للصورة وحي آخر أيضاً، أنها رسالة واضحة للسعودية – لا أعتقد أنها تتعلق بشخص البخيتي فقط – بل بكيانه الانقلابي، تتحدث عن قدرة الحوثيين في الوصول إلى مكان تواجد رئيس المؤتمر الشعبي العام. ففي حين لم يظهر أي قيادي من الصف الأول أو الثاني من حزب صالح معه خلال مدة عاصفة الحزم، يستطيع أي قيادي حوثي إلتقاط صورة تذكارية أخيرة مع الرجل الأخير في قائمة رؤساء الربيع العربي الذين طلعت عليهم رياح التغيير الإجباري المزعج فاقعدتهم أو قتلتهم أو طارت بهم إلى مناطق بعيدة عن نفوذهم وسلطانهم المفقود.

المؤتمريون اليمنيون يعتقدون أن علي عبدالله صالح ما زال يمتلك قدرات خارقة، مؤمنين بإنتصاره على كل شيء، وتلك مقامرة غير محسوبة النتائج. ففي حين يفقد الرجل كل أدواته واصدقائه وخياراته، يكتب علي البخيتي أن صالح لم يعد لديه ما يخسره، وهذه أهم عبارة ذكرها البخيتي عن عمد للدلالة على أن الرئيس اليمني السابق لم يعد يشكل وزناً حقيقياً وأنه في قبضتنا وأن ظهور عبدالملك الحوثي بصورته المعتادة رسالة أقوى بأنه البديل المناسب للسعودية ولقوى التحالف، وأن المرور على جثته هو السبيل الوحيد للانتصار عليه!

الجميع يحاول التقرب إلى المملكة العربية السعودية، بعد انتصارات الأرض الميمون، وتحرير قاعدة العند العسكرية من فئات الشغب الإنقلابي، واندحار الظلام نحو بؤرة الضوء الطاهر، وتلك خطوة مهمة للحوثيين لن يستطيعوا الوصول إليها إلا عبر بوابة المؤتمر الشعبي العام الحزب الذي يقاتل أفراده مع الحوثيين بلا مبرر واحد، خلافاً لما هو متعارف عن مصالح الأحزاب العامة بوسائل توليها السلطة، وما يحدث الآن في اليمن ندركه جميعاً بكونه سعي محموم ودامٍ للوصول إلى كرسي البلد الفقير عبر احراق كل عضو منه لنفسه وتدمير قدراته بكل الطيش الذي لا يريد أن يستكين أو يحترم نفسه.

تتحدث الصحافة المملوكة لعلي عبدالله صالح من داخل غرفة محاطة بالموت والخوف والدمار والشعارات الحوثية المضحكة، ويواصل عبدالملك الحوثي تغطية لجرائم الصحافة دفعاً باتجاه "إسرائيلية" هذا أو ذاك، وفي هذا أرى أن "اليمن اليوم" هي الأخرى صارت رهينة لدى جماعة انقلابية مسمومة تتحدث عن الموت والشهادة والدمار ولديها تحسس عالً من كل العبارات التي تناقض قيم السلام، وتنفيذ مخرجات الحوار الوطني والقرار الأممي 2216.

الصورة مدهشة، وأنا أحذر مجدداً أن صالح سيموت بقسوة في إحدى الليالي المعتدلة بداخل اليمن.. وبأيدي الحوثيين للاستفادة من التحالف العربي وممارسة دور التنكيل المؤسف بالرجل وإظهاره على أنه ضحية قصف جوي يدفع بالحوثيين إلى وراثة الغضب المؤتمري وتقييده في أطره القتالية المجنونة، حتى يقال أن انصار الحوثي قاتلوا بشراسة حتى آخر فرد من أنصار صالح.

يتحدث سفراء العالم بوضوح، وسفراء الدول العشر لدى صنعاء أن انقاذ المؤتمر الشعبي العام من تحالفه مع الحوثيين وإزاحة المتطرفين في داخله سيوصله إلى إعادة انتاج نفسه، وابتعاده عن الدم اليمني، واستعادة دوره كحزب وطني ريادي وقوي، فيما تتجه زيارة ولي ولي العهد السعودي إلى مصر في هذا الاتجاه لطمأنتها من عدم أسلمة اليمن، وأن ما يجب أن نفكر به الآن جميعاً هو مرحلة ما بعد الحوثي، وعلى قدر ما بدت صورة "صالح - البخيتي" مثيرة للجدل إلا أنه من المهم على كل كوادر المؤتمر الشعبي العام الالتفات إلى حزبهم وإعادة ما يمكن أن يعود، قبل ألا يرجع شيء، وينتحر الحزب بزعيمه كما انتحر هتلر مع الرايخ، فكروا بتفكير الوطن الكبير.. فالمؤتمر الذي لا يستطيع العيش بدون حكم لأنه حزب الموظفين ينال مبادرة خليجية قادمة ومسبقة تقول له: أنت لها!، فهل يلتقط المؤتمريون المبادرة أم أنها سيظلون في سرداب المقامرة المظلم.