داعش أولاً.. في مواجهة التقسيم الطائفي

التحكم بالدويلات الصغيرة بسياسة الريموت كونترول

أكد خطاب بشار الأسد الأخير مرة أخرى على صحة مخطط الشرق الأوسط الجديد، بعد أن أشار في خطابه إلى دولة الساحل العلوية، وأنه «لا يستطيع المحاربة على كل الجبهات حتى لا يخسر المزيد من الأراضي، و عليه أن يتخلى عن مناطق من أجل مناطق مهمة يتمسك بها»، وتعتبر دولة العلويين على الغرب السوري إن قامت الدولة الثانية في المخطط، بعد قيام دولة داعش، ستكون بمثابة الحزام الأمني حول إسرائيل.

إذا تحقق ذلك على الأرض، فلن يتوقف التخطيط لمزيد من التقسيمات، وإن دويلات الطوائف ستكون المستقبل الجديد لشرق وجنوب المتوسط، والغرض من ذلك تصحيح مخطط سايكس بيكو، والذي أنتج دولاً كبرى في المنطقة، وقد كان أمن دولة إسرائيل معرضا للتهديد في حال تحققت أي وحدة أيدولوجية حول ضفتي المتوسط الجنوبية والشرقية، وجاء التدخل الغربي الأخير لفرض بصمته في المنطقة من جديد، ثم التحكم بتلك الدويلات الصغيرة بسياسة الريموت كونترول.

قضية فلسطين ليست بجديدة على التاريخ، فقد سبق الصليبيون الفرنجة اليهود الغزاة في احتلالها لأكثر من قرنين، وكان التهديد للغزو دائما ما يأتي عندما تتحد ضفتي المتوسط تحت راية واحدة، وقد عمل صلاح الدين الأيوبي على توحيد الشام ومصر، وكان له النصر العسكري في حطين، ثم جاء الظاهر بيبرس وانتصر عندما اتحدت الشام ومصر تحت رايته، وقد قام بتنظيف المنطقة من بقاياهم، وكادت حرب 1973 أن تأتي بنتيجة على الأرض عندما اتحد الصف العربي لأول مرة منذ التقسيم.

الجدير بالذكر أن عبدالناصر حاول برغم من ضعف قدراته التنظيمية على توحيد سوريا ومصر في معركته ضد الصهاينة في فلسطين، لكنها لم تدم أكثر من عام ، وفشلت بسبب أن الغرب يدرك جيداً نتائج تلك الوحدة، وبسبب أيضاً الضعف التنظيمي لعبدالناصر، لكن مع ذلك استمر الخطر، فالدول العربية الكبرى متقاربة، وتتحد سياسيا عندما يكون الحديث عن فلسطين.

تفضح الحرب الناعمة على دولة داعش النوايا في سياسة الفوضى التخريبية، وتكشف المساعدات غير المباشرة لها سرها الاستخباراتي الأخير، والذي يقوم على تقسيم دولة العراق بعد الغزو إلى ثلاث دويلات، ويبدأ المخطط بتسليم السلطة إلى الشيعة العرب الإيرانيين، وذلك من أجل دغدغة الحلم الإيراني في السيطرة على المراقد المقدسة، ثم فرض ذلك الواقع من خلال تأسيس دولة سنية وأخرى كردية في الشمال.

ما نحن في مواجهته الآن مصيري، وقد تكون له عواقب ونتائج خطيرة، ولن يخرج الحل العربي من إسقاط دولة داعش الاستخبارتيه أولاً، ثم توحيد العراق مرة أخرى تحت راية واحدة، وإذا لم يحدث ذلك واستمر التقسيم على أسس طائفية في الشام، فلن يتوقف المخطط عن التنفيذ، ولن يسمحوا بوجود دول كبرى في المنطقة، وستكون العلاقات مبنية على أسس طائفية، وستكون اليد العليا لدولة إسرائيل.

ما يجري الآن في الواقع هو مراجعة على الأرض لمخطط سايكس بيكو، وجاء الربيع العربي فرصة للتدخل وتغيير مساره ، وفرض خارطة جديدة في المنطقة، مبنية على التفكير الطائفي في العقول العربية، وكان الدور الأمريكي واضحاً في ذلك، بعد بدء خطابه في المنطقة بعد غزو العراق عام 2003 ميلادي بمصطلحات طائفية وعرقية على طريقة العرب الشيعة والعرب السنة والأكراد، ولم يعمل على فرض دستور علماني لإنقاذ العراق من التقسيم، ولكن ساهم في تكريس الطائفية فيها أولاً من أجل المخطط الأكبر في المنطقة.

ما أريد الوصول إليه أن نقطة التحول العربية ضد المخطط ستكون في إنهاء دولة داعش، وتوحيد العراق تحت دولة واحدة، وإعادتها إلى وضعها قبل الغزو، وذلك من خلال إصدار قوانين تجرم العمل السياسي على أسس طائفية وعرقية، وإذا نجح العرب أو ما تبقى منهم في الوصول إلى هذه النتيجه، ستعود سوريا دولة موحدة تحت راية عربية غير طائفية، وسيتم إنقاذ المنطقة من الكارثة الطائفية، والله على ما أقول شهيد.

عبد العزيز السماري

كاتب وطبيب سعودي