إسلاميو السلطة العراقية.. انتكاسة الثقافة

تنميق الألفاظ لا يعني ثقافة

في الاسبوعين الأولين من شهر تموز 2005، تلقيت عدة اتصالات هاتفية من الأشخاص المقربين من السيد إبراهيم الجعفري، محورها التأكد من قبولي كتابة "من هو الجعفري"؟ وإجراءات سفري من لندن الى بغداد، وأحياناً كان يبادر الجعفري للتحدث معي، بودية الأيام السابقة، بجديتها وطرافتها، وكنت لا أزال أراه الرجل الذي أعرفه، إنه السيد (أبو أحمد) صاحب الأخلاق الراقية، والضحكة الوديعة، وقد قلت له ذات مرة: إن ضحتك تذكرتني بفترة ما قبل رئاسة الوزراء، فاستفهم هل تلمس تغيراً فيها؟

أجبته: إنها هي لم تتغير. وقد أسعدني سؤاله لأنه يريد أن يعرف إن كان قد طرأ عليه تغير بعد توليه السلطة أم لا؟ فقد فهمت لحظتها من طريقة سؤاله، أنه يريد أن يراقب نفسه بعيون أصدقائه، وهو ما كان يتحدث به في محاضراته وجلساته الخاصة والعامة.

هو الجعفري إذن، الرجل الذي جهد على صياغة شخصيته ليكون منسجماً معها، هكذا كنت أعتقد حتى تلك الفترة. وأن هذه الملاحظات التي تُسجل عليه، فهي مما يبتلى به كل انسان عدا المعصومين، ولا تصل الى مستوى المفارقات المخلة بالتوازن الشخصي، أو الانفصام المقصود بين الظاهر والباطن. أؤكد: هكذا كنت أعتقد.

أذكر هذه المفردة التفصيلية، لأنها ترتبط بطرف آخر له أهميته في مجريات الأحداث. فقد كنت خلال الفترة التي طلب مني الجعفري الانضمام الى فريقه، أجريت اتصالاتي مع العديد من الأصدقاء والشخصيات لأستشيرها، وكان الرأي المشترك هو أهمية الالتحاق به، وكان أكثر من دفعني للعمل مع الجعفري، الدكتور فخري مشكور، رغم أنه خاض تجربة مرة معه أثناء فترة مجلس الحكم، لكنه لم يخبرني بتفاصيلها إلا بعد سنوات، وربما سيذكرها ضمن مذكراته التي يعتزم نشرها.

مدير تشريفات جاهل

وقد لفت نظري بعد فترة وجيزة، وعندما اقترب موعد سفري الى بغداد، أن الشيخ عبد الحليم الزهيري، أبدى تحفظه المتصاعد على التحاقي بالجعفري، فقد كان يتصل بي هاتفياً مُشعلاً أول الأمر ومضات تحذير، ما لبثت أن تحولت الى علامات إنذار صاخبة الصوت. وكنت أعيد تحذيراته في رأسي، ثم اتبادلها مع أصدقاء آخرين، فربما هناك أمر لا أعرفه. لكن الصورة انكشفت واضحة الخطوط عندما اتصل بي الزهيري ذات يوم على الموضوع نفسه، وأخبرني بأن فلاناً يريد أن يتحدث معي، فتحدث (فلان) وحذرني من العمل مع الجعفري.

كان ذلك بمثابة تشجيع لي وليس العكس، فقد كنت أعرف ويعرف غيري وربما الشيخ الزهيري أيضاَ أن فلاناً هذا يعيش ليأكل، ولو أن القدر يتلطف عليه بفرصة تعليم نادرة مكثفة فانه قد يتمكن من الخروج من دائرة التخلف بضع سنتيمترات فقط. ولكي يعذر القارئ الكريم قولي فيه، أشير الى انه ذات يوم كنت في ضيافة الشيخ ابي حيدر الكرادي في بيروت، وكان هذا الشخص جالساً يعبث بالريموت كنترول، فظهر فيلم (لورنس العرب)، فقلت له: بهذا الفيلم بدأت عالمية عمر الشريف، لكني فوجئت بأنه لا يعرف من هو عمر الشريف، وما هي العالمية، وماذا تعني (لورنس) هل هي قبيلة عربية أم أكلة مصرية؟

لقد تجددت عندي المفاجأة عندما أرادني الشيخ عبد الحليم الزهيري أن أستمع الى تقييم (فلان) بخصوص عملي مع الجعفري، لما أعرفه عن الزهيري عبر سنوات طويلة من العلاقة الوطيدة والعميقة بأنه على مستوى رفيع من الذكاء. كيف يتوقع أن أقتنع بكلام هذا المسكين الذي أنعم الله عليه بضمور التفكير ليريحه من متاعب الحياة؟

(إشارة: كانت مفاجأتي الثالثة عندما عينه السيد نوري المالكي مسؤولاً عن تشريفات رئاسة الوزراء، وسكرتيره الخاص بعدما تولى رئاسة الحكومة عام 2006).

إهمال ملفات تخص الثقافة

في أكتوبر 2005 وصلت بغداد عبر الحدود العراقية الإيرانية، وكان يصادف شهر رمضان. كان اللقاء حاراً بعناق المودة مع السيد الجعفري وبعض الأصدقاء وكان هناك بعض الاشخاص لم أعرفهم من قبل، وهم جميعاً يشكلون فريق عمل الجعفري رئيس وزراء العراق الذي بلغت شعبيته ذورتها في تلك الفترة، بحيث امتدت حتى الى المدن السنية ومنها مدينة الموصل، مما لفت نظر الأميركان، بحسب التقارير الخاصة التي كانت تعدها وتدرس نتائجها اللجان الأميركية المتخصصة.

كانت إقامتي في قصر السيد الجعفري، مع الصديقين عدنان جواد فلفل مسؤول أمنه الخاص، واياد بنيان سكرتيره الخاص. فيما يقيم بقية المستشارين وكادر المكتب في منازل اخرى في المنطقة الخضراء.

قدمت للسيد الجعفري عدة ملفات عمل كنت قد كتبتها قبل وصولي، وهي تتعلق بالنهوض بالواقع الثقافي والإعلامي، وكانت تتناول مقترحات للاهتمام بالمثقفين والاعلاميين في الداخل والخارج، وضرورة استقطاب الطاقات الكتابية والعمل على تهيئة كادر كتابي شبابي يبدأ من السنة الجامعية الأولى، لخلق أجيال من الكتاب العراقيين، وغير ذلك من المشاريع. فوعد بأنه سيقرأها ويناقشها معي في اليوم الثاني.

مرّ اليوم الثاني وتلاه الثالث وانقضى الأسبوع. والجعفري يؤجل الحديث من ساعة لأخرى، ومن يوم لآخر. وبعد أن وجدت أن الوقت يضيع على مرأى ومسمع مني، فهو يقضي ساعات أول الليل في الكلام الطويل، ثم يحرق ساعات آخر الليل بالحديث الطويل، قبل ان ينزل الى الطابق الأرضي حيث غرفته الخاصة وصالة الاستقبال.

بعد ما يقرب من اسبوعين قلت له إنني لا أزال أنتظر جوابه على المشاريع التي عرضتها عليه، فاستفسر عن المشاريع، بما جعلني اقتنع بأنه اضاع الملف بما فيه.

فاستخرجت نسخته المحفوظة في كومبيوتري المحمول، وقمت باختصاره بصفحات قليلة، ثم اعطيت نسخة له ونسخة اخرى للسيد فالح الفياض أقرب مستشاريه (يتولى حاليا مسؤولية مستشار الامن الوطني). فوعدا بقراءتها واعطاء الرأي، وقد حرصت على تقديم النسختين في الوقت نفسه وامام سكرتيره الخاص. ومضت الايام مثلما مضت سابقاتها، عدداً ونتيجةً وخطوةّ اولى على طريق الاحباط بالجعفري الجديد.

شرطي لوزارة الثقافة

كان الجعفري يهتم بالكتاب المنشود (من هو الجعفري؟) وقد ذهب بي التفكير مرات عديدة أنه يريد أن أركز جهدي على انجاز الكتاب، بالدرجة الأولى، فلا انصرف عنه الى مشاريع أخرى. لكن الايام اثبتت لي أن الجعفري لا يريد لهذه المشاريع أن تشهد الحياة، رغم كثرة احاديثه عن الثقافة والفكر.

بدأ تصوري هذا يتشكل عندما علمت أنه في تشكيلته للحكومة، كان يبدي اعتراضه على بعض مرشحي الكتل السياسية لتولي الحقائب الوزارية، لكنه لم يعترض على مرشح وزارة الثقافة. وكانت الصدمة كبيرة عندما حضرت احد اجتماعات مجلس الوزراء، ولمست ان وزير الثقافة (السيد نوري الراوي) لا علاقة له بالثقافة، بل بينه وبينها تاريخ طويل من الحواجز وحاضر حافل بالموانع.

ما أقصده عزيزي القارئ الكريم، ليس الفنان العراقي (نوري الراوي) أحد رموز الفن التشكيلي العراقي وصاحب القيمة اللونية وأسرار جمالية اللوحة، إنما المقصود هو شبيه له بالاسم فقط، كان يعمل ضابط شرطة في فترة ما قبل سقوط النظام، ثم دخل العملية السياسية، ورشحته المحاصصة وزيراً للثقافة فوافق عليه الدكتور إبراهيم الجعفري.

ليس تشابه الاسماء هو الذي أوقع الجعفري بهذا الاختيار العجيب، فقد كان الاختيار يجري بعد مقابلة المرشحين للوزارات، وكان من ضمن اعضاء لجنة المقابلة مستشار الجعفري السيد عبد الرزاق الكاظمي الذي صعد على المنصة يوم الاعلان عن تشكيل الحكومة وكأنه في حفل لإحدى الحسينيات قائلاً:

(بلغ العلى بكماله، كشف الدجى بجماله، حسنت جميع خصاله صلوا عليه وآله).

لقد حضرت عدة لقاءات واجتماعات كان وزير الثقافة مشاركاً فيها، وكنت أرصد حركاته وسكناته، بانتظار عبارة يقولها أو فكرة يطرحها، لأعرف كيف أقيمه، لكنه كان إما صامتاً يستعيض عن الكلام بالنظرات الزائغة، أو متحدثاً يستبدل النظرات الحائرة بكلمات ضائعة.

ثم ازدادت غرابتي عندما وجدت الجعفري يُقيمه كما هو على حقيقته، كرجل أمن تم زجه في غير مجاله، بل في أبعد مجال عن اهتماماته.

إن من الممكن أن تجد ضابط شرطة على درجة كبيرة من الثقافة، لكن ذلك لا يعني أنه صار مؤهلاً لتولي وزارة الثقافة، لما لهذه الوزارة من رمزية على هوية البلد وحضارته وتاريخه وحاضره ومستقبله، فكيف اذا كان بعيدا عنها، غير مهتم بها.

لقد وضع الجعفري الثقافة العراقية وجمهور المثقفين والمفكرين والاعلاميين والفنانين، في ركن مظلم هامشي، وبذلك صار مقبولاً لمن بعده أن يخلط بين الثقافة والعسكرية، فيصبح وزير الدفاع السابق وزيراً للثقافة ثم يجمع بين الوزارتين المتنافرتين، في استهانة صارخة للثقافة والمثقف.

لقد كان الجعفري يطرح نفسه على انه أحد رجالات الثقافة والفكر، لكن السؤال هل كانت الصورة التي يرسمها الجعفري لنفسه، متطابقة مع حقيقته من حيث المضمون والسلوك والقرار والاهتمام؟

سليم الحسيني
كاتب عراقي