ساحة التحرير مرة أخرى، الحراك الجماهيري في العراق

يشهد الشارع العراقي حراكاً جماهيرياً واسعاً في الكثير من محافظاته الجنوبية والوسط والعاصمة بغداد حيث خرجت مظاهرات احتجاجية كبيرة تستنكر الواقع الخدمي وبالخصوص تردي منظومة تزويد الطاقة الكهربائية في طقس تزيد فيه درجة الحرارة عن الخمسين مئوية.

في الحقيقة أن موضوع الكهرباء هو القشة التي قصمت ظهر البعير فالشارع العراقي مستاء من كل الخدمات وفساد الطبقة السياسية ونزيف الدم الذي لم يتوقف منذ سنوات حيث يفعل الإرهاب فعلته.

أن أكثر ما يحتاجه الواقع العراقي هي المظاهرات والتظاهر والتعبير في مجال عام هيمنت عليه الدولة ورجال الدين، فلا بد من محتج على واقع خدمي رديء وسياسي فاسد وأمني متردٍ مع مستوى عالٍ من البطالة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن أي حراك شعبي سيحرك الجمود السياسي الذي تهيمن عليه طبقة سياسية فاسدة ليس لها قاعدة جماهيرية إذ تتحكم بها مجموعة من روؤساء الكتل الذين لا يتعدى عددهم أصابع اليد.

هناك من يعتقد أن الشارع العراقي مقبل على ثورة، وبالتأكيد لا ثورة هناك ولا يمكن أن تحدث ثورة في بلد منقسم على نفسه عرقياً وطائفياً وإثنياً وفي الأونة الأخيرة طبقياً.

الثورة لا تأتي صدفة ولا اعتباطاً، الثورة حالة من حالات الولادة القيصرية بعد عقود من الحمل خارج العرف والدين والقانون.

ولا يكفي الشعور بالظلم النسبي لإحداث ثورة ما فالهوية الجمعية وحسابات الربح والخسارة من أهم عوامل تفعيل الثورة مع وجود قيادات واعية تقود حركات اجتماعية لها مقبولية جماهيرية واسعة تحمل مشروعاً بديلاً لما هو قائم.

ومن جهة أخرى، أي حراك شعبي غير عنيف هو حالة صحية وطريقة من طرق التعافي سياسياً. لكن، كل حراك بحاجة لمقومات موضوعية تساعده للوصول لأهدافه المعلنة.

لم يكن الحراك الجماهيري وبالخصوص في ساحة التحرير في بغداد وليد اليوم فهو امتداد لحراك حدث قبل سنوات عندما قال المتظاهرون لحكومة المالكي باطل باطل باطل، أما حراك اليوم فهو سيؤسس لحركة جماهيرية أوسع أن تمتعت قياداته بالوعي السياسي وعقلية المناورة واتقان إستخدام الأساليب الحديثة.

فكل حراك بحاجة لمقومات موضوعية أولها ضم أكبر عدد ممكن من الفئات العمرية المختلفة وليس الشباب فقط، التوجه نحو المرأة وذلك بالتركيز على الوعي السياسي ليشمل تلك الفئة من الجماهير، التركيز على الخدمات ومحاربة الفساد أما غيرها من المطالب السياسية فسيقسم صفوف المتظاهرين، رفع الوعي السياسي لضم أكبر عدد ممكن من الطوائف والإثنيات والذي يعزز الروح الوطنية، محاولة جذب الغير مهتمين سياسياً بالخصوص الذين لا يقرأون ولا يكتبون، التركيز ليس على الفئة المثقفة من الطبقى الوسطى فهناك الفلاحون والعمال والفقراء وغيرهم، جذب أشخاص ربما يكونوا مفاتيح لتحريك الجماهير كرجال الدين المؤثرين والمنفتحين.

أما الباقون ففي عرفهم أن الثورة حرام بالرغم من أنهم كانوا ينظرون لها بأسم الإمام الحسين لعقود طويلة, محاولة كسب المرجعية وعلى الأقل ليس معاداتها بشعارات ربما تكون غير واقعية فالمرجعية الدينية لها نفوذ واسع على جماهير واسعة وكسبها سيعزل الطبقة السياسية الفاسدة، محاولة كسب وسائل إعلام حيادية نسبياً لتكون صوت للمتظاهرين في جو أعلامي تسيطر عليه الأحزاب ومافيات الفساد والعفن الطائفي، المحاولة بتأمين ممولين من تجار لهم علاقات مصلحية يمكن أن تؤثر مادياً ومصلحياً فكلنا يعرف أثر البازار الإيراني في الثورة الإسلامية.

محاولة التفاهم مع كتلة برلمانية يمكن أن تكون معارضة في البرلمان كالتحالف المدني على صغره والتواصل مع بعض البرلمانيين كأفراد من مختلف الكتل لخلق لوبي مؤثر داخل البرلمان وذلك لتمرير سياسات تخدم التوجه المدني والخدمي.

إذن، ما يمكن أن يفعله الحراك الشعبي الكثير فهو إن أستمر فسيفرز طبقة سياسية جديدة لم تتلوث بفساد وإرهاب، سيفرز قيادات شعبيه مدعومة جماهيرياً بدل الوجوه الكالحة التي تحتل شاشات التلفزيون منذ عقد من الزمن، الحراك فرصة مهمة للتواصل في المجال العام لتبادل الأفكار والآراء ممايعزز فرصة التفاهم والاتفاق على صيغة مبدئة لعقد اجتماعي جديد في ظل هوية وطنية واحدة وهو فرصة للتعاون المشترك لتفعيل منظمات المجتمع المدني.

في الكثير من المظاهرات في العالم من يقوم في التفاوض هي الاتحادات والنقابات كنقابة العمال واتحاد الطلبة وهما في العراق ضعيفان جداً، فالنقابة لاوجود لها فعلياً وتغييبها تم بفعل فاعل لشرعنة عصر جديد من العبودية, أما اتحادات الطلبة فيهيمن عليها طلاب محسوبون على التيار الديني في غالبه، أن التجمع والتظاهر سيخلق فرصة لتعزيز أو طرح بديل للنقابات العمالية التي يمكن أن تحفظ للعامل حقوقه في النظم الديمقراطية وفي بلد كالعراق فيه مئات الآلاف لاحقوق لهم كمتعاقدين يستغلون من قبل الدولة وباقي أرباب العمل، وهي فرصة لتعزيز اتحادات الطلبة خارج أطار المؤسسة الرسمية.

يمكن لهذا الحراك أن يخلق وعياً سياسياً لجيل جديد من الشباب والذي بالضرورة سيفرز سياسيين مستقبليين وقاطاعات واسعة يمكن أن تكون كتلة أنتخابية مؤثرة. المهم هي البداية ونتمنى أن تكون قد بدأت في فترة عقم سياسي وطبقة سياسية لا بد أن تزول عندما يعود القرار للشعب وحده.