وصفة للدمار الشامل

أستميحكم عذراً لأني سأفترض ما إفترضتموه سابقاً، وأعد إسرائيل عدواً، ليس مركزياً، ولكنها مجرد عدو، وأتساءل: هل هي بحاجة الآن لتأديب من تريد تأديبه، والإضرار بمن ترى أنه يشكل خطراً عليها، وبالمحصلة، هل هي تخاف من أحدكم، على إمتداد الأرض العربية، والتي لأمر ما كانت لكم؟ هل هي بحاجة لشن حرب على أحد منكم؟

الجواب بالقطع، لا، فأنتم بأنفسكم من يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه، أنتم أنفسكم من يشن الحرب الضروس بعضكم على بعض، ويحرق الحرث والنسل، ويدمر كل ما تباهيتم به من آثار تبين أنه كان لكم شأن ما في الزمن الغابر، إذ المطلوب ليس فقط أن لا يكون لكم شأن اليوم، وكما هو واضح وبين وشديد الوضوح، وإنما أن لاتحمل الذاكرة ما يوحي مجرد إيحاء أنه كان لكم أي شيء يشير إلى أنكم قد أسهمتم بهذه الحضارة الإنسانية، التي تسعى شعوب الأرض بكل جهد لإثبات دورها في إنشائها، أو الإسهام بها، أو الإضافة لها.

ليس غريباً أن يظهر، حتى بالنسبة للشعوب الحية المتقدمة، مجانين مهووسين، يحسبون أنهم إمتلكوا الحقيقة، وأنهم ينطقون باسم الله، وينزلون عقاب الله بمن يرون أنه يخالف تعاليم الله، أمثال هؤلاء وجدوا الآن، ووجدوا في الماضي، وسيوجدون في المستقبل، ولكن الغريب أن لا يواجه هؤلاء بالرفض من قبل من يدعي الحداثة والعصرنة، ومن يحسب أنه مدني، وطني أو قومي، علماني أو إشتراكي، أو ديمقراطي ليبرالي.

طالما يتجه غضب هؤلاء الأساسي إلى الطائفة التي لا تنتمي إليها أنت، فالأمر مسكوت عنه، دعهم يؤدبون من لا تريد تأديبه بنفسك!. هذه النظرة القاصرة ستقدم رقبتك ولحمك لوحش لايفرق بين لحمك ولحم سواك، فأنت أيها الوطني، القومي، الديمقراطي، اليساري، العلماني، المدني الليبرالي، لحمك أشهى مذاقاً بالنسبة لهذا الوحش، مُحتكر الله والناطق باسمه.

عندما تُبتلى أمه بما أبتليت به أمتنا تصبح بين الحياة والموت، بين أن تكون أو لا تكون، ويصبح أي شيء ما عدا مواجهة هذه الكارثة عبثاً وضياعاً، وإسهاماً عن وعي أو من دونما وعي في المقامره بمصير الأمة، كل الأمة، مسلميها ومسيحيّها، سنتها وشيعتها، مؤمنيها وملحديها.

الصراع الطائفي، وصفة دمار شامل لهذه الأمة، ولأكثر من مليار من البشر.

لا حاجة لأن تشن إسرائيل حرباً علينا، لا شاملة ولا محدودة، ولا حاجة لأن ترسل أميركا ودول الغرب أساطيلها، أو جيوشها، فنحن نتكفل بدمارنا، وبفاعلية لا مثيل لها، وبقسوة فاقت أي تصور.

كل الذي نحتاجه إستحضار الكتب الصفراء، وإستنهاض أيام الفتنة، وكأنها حدثت اليوم أو البارحة، لا قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام، ووضع المعممين المتعصبين، والحاسرين الذين هم أكثر تعصباُ وراء ميكرفون، أو أمام شاشة مرئية، أو على منبر للخطابة، ومن ثم تغييب العقل والمنطق، وإحلال مفردات الروافض والنواصب، وعبدة القبور، وأعداء أهل البيت، وأبناء المتعة والمسيار، والصفويين والعثمانيين، والجاهلية البدوية والفرس المجوس، ولا حاجة بعد هذا لمهاجمة الوطنية والقومية، ولا الديمقراطية والإشتراكية، ولا الإنسانية والأممية، ولا العدالة بمفهومها العام والخاص، ولا حتى الاحتلال والسيادة الوطنية، ولا فلسطين والقضية الفلسطينية، ولا النهضة ومتطلباتها، وطنية وقومية، ولا التكامل والتعاون، ولا حقوق المرأة والطفل، ولا حقوق البشر والحيوان، فكل هذه المفردات والمفاهيم ستتلاشى حتماً وتنزوي في العتمة، فخطاب الجهل والتخلف، والإنفصال عن العصر، سيسود بحيث لم نعد نفرق بين أحمر فرشاة الفنان، ودم الطفل أو الشيخ الذبيح.

لقد أضحينا يا صاحبي طائفيين، سواء كنا نصلي أم نحتسي الخمرة، نلبس الدشداشة القصيرة أم بنطلون الجينز، من رواد المسجد أم الملهى، ومن أي خلفية جئنا، وطنية أم قومية، إشتراكية أم ليبرالية، يسارية أم يمينية، فسبحان من صهرنا ببودقة الطائفة، فأصبحنا بقدرة قادر سنة وشيعة، ولم نعد لا عربا ولا مسلمين.

سابقاً، كنا نختلف في نسبة الوطنية، أو التقدمية، أو القومية، أو اليسارية في هذا الفصيل أو ذاك، هذه المجموعة أو تلك، وكان معيارنا العقل والفكر والمنطق والممارسة.

اليوم بماذا يمكن أن نختلف، وتخلف وظلامية الطائفيين، أغلق كل منافذ العقل والمعرفة والتبصر، وجعل من حرق البشر أحياء وقطع الرؤوس وسبي النساء، وتدمير المعالم الآثرية، وصرخات الموت والدمار نفيراً لممارسة كثفت أسوء ما في التأريخ البشري من عنف وهمجية.

قال ثوري قديم "لا يكفيك شرفاً أن يكون لك ماض شريف، الأهم أن يكون حاضرك أكثر شرفا"، فلا تتغنوا بماضيكم الوطني، والقومي، واليساري، والثوري، والتقدمي، فأنتم أمام إختبار الحاضر، فأما أن تتخذوا الموقف المشرف، الذي يزيدكم شرفاً، وأما أن يمسح عار الحاضر ما تبقى لكم من شرف الماضي.