وثنية جديدة.. الإفراط في التدين

أكلوا قدسية الكتاب

أذكر في سنوات خلت أن مطربا تونسيا معروفا قد فتح مقهى في العاصمة وكان قد استضافنا أنا وثلة من الأصدقاء قبيل افتتاح محله وأشغال المحل في لمساتها الأخيرة وأصر على أن يطلعنا على ذلك المصحف القرآني ذي الغلاف الفضي الذي ثبته في واجهة المقهى كحجر أساس للديكور الداخلي للواجهة الرّخامية السوداء التي سيرصف فوقها مستلزمات المقهى ... قال هذا المطرب مبتهجا: “ذاك المصحف الفضي الذي “زَبّسْتُهُ” في المحل هوهدية ثمينة من أحد الشيوخ الأمراء الذي كنت أحيي عنده حفلات خاصة في الخليج لم أجد له مكانا يليق به إلا تثبيته في هذا الرّخام الأسود حتى يحرس المكان من السرقة في الليل” وأضاف “أن هذا المصحف لا يمكن فتحه لأنه مسبوك في الفضة الخام كالسّر المكنون”. سألته: “ومن أدراك أنه مصحف ؟ لعله مجرد علبة فضية توحي دفتاها بأنها قرآن؟”، امتعض من سؤالي وأجابني: “هل سموالأمير كذاب؟” قلت: “لعل سموالأمير نفسه لا يعلم أنه مصحف قرآن؟ “احتنق وقال: "إذا أردت التأكد منه، تعالي في إحدى الليالي واسرقه ثم افتحه، وقتها ستتأكد من أنه مصحف قرآن“.

الجهل المقدس

يشير الباحث الفرنسي أوليفييه روا Olivier Roy في كتابه “الجهل المقدس”، وهو يتحدث عن المسيحية وعن الإسلام في سياق القطيعة بين الثقافة والدين ، إلى أنه ثمة “وثنية جديدة” تكتسح المجتمعات الحديثة ناتجة في رأيه في إفراط بعض المجتمعات المتدينة في تغييب الله وفي البحث عن بدائل في الوقت عينه(*). لكن الأمر لا أكاد أراه منطبقا في المجتمعات المسلمة المعاصرة من جهة السبب، فثمة حسب رأيي “وثنية جديدة” في إسلامنا المعاصر بل متجددة في شكل عود أبدي تطلع علينا مظاهرها كل مرة منذ تصاعد دور الإسلام السياسي في محاولته لسد الفراغ باسم الدين في زمن التدين بلا ثقافة . وليس سبب هذه الوثنية الجديدة في سياقنا الثقافي هذا إلا الإفراط في استحضار الله وابتداع أو ارتجال بدائل جديدة باسم التدين من أجل التدين ذاته، ولأنه فعلا تم تغييب الله من خلال الإستحواذ على دوره والتكلم باسمه فإننا نشهد اليوم نوعا من الظهورية Exhibitionnisme التي تكاد تؤسس لمجتمع الفرجة الدينية قياسا على “مجتمع الفرجة” في مجتمع الإستهلاك كما ينظر إليه غي ديبور Guy Debord تقوم مقام الإبدال عن تغييب الله كفكرة واستحضاره كغرض أو إبدال الأخلاق كقاعدة للثقافة و بوثنية جديدة تعبر عن تدين مرضي أو شقاء روحي. ويكفي أن أشير هنا إلى الاستعمالات الظهورية المفرطة للمصحف القرآني الذي تحول عند الأخوان والجماعات الإسلامية في الساحات والمظاهرات والمحاكمات إلى مجرد “شيء” أو “متاع” يمكن إستعماله في غير موضعه. وهو أمر أصبح من العادات أو الطرائق النضالية المتكررة التي تعود عليها الأخوان والجماعات السلفية في الساحات المصرية بالدعوة إلى جمعة رفع المصاحف التي تعيد الصورة القديمة لحدث رفع المصاحف على أسنة الرّماح في الحرب بين علي ابن أبي طالب ومعاوية إبن أبي سفيان في واقعة صفين عام 37 هجريا. ولعلها الواقعة التي فتحت إستعمال مصاحف القرآن في اتجاه علاقة فيتيشية Fétichisme تعود إلينا هذه الأيام في أثواب جديدة .

الإسلامفوبيا

و”فيتيشية القرآن” هذه المتأصلة في المخيال الإسلامي لا تخص الإسلاميين فحسب بل هي أيضا ماثلة في سياق الإسلاموفوبيا المعاصرة في بعض المجتمعات المتدينة الأخرى غير الإسلامية والتي أقامت مع الإسلام عداوة تنعشها الصدامات السياسية بعد الحادي عشر من سبتمبر كما هو حاصل عند بعض الإنجيليين في الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الجماعات المسيحية المتدينة والتي عبـّر عنها الأمريكان في عدّة مناسبات في تعاملهم مع هذا النص الذي بين دفتين، سواء في الحلقات الإنجيلية الضيقة، أوفي غياهب سجن غوانتانامو، أو آخرها كتهديدات القس تيري جونس Terry Jones بحرق القرآن على الملإ أو ما قام به بعضهم من تقطيع وتمزيق لصفحات القرآن أمام البيت الأبيض تنديدا بـ”أكاذيب الإسلام”. ولا تكاد تختلف في ذات الوقت عن فيتيشية القرآن عند المسلمين أنفسهم تجاه القرآن والذين يتعاملون معه كغرض من الأغراض ، ويكفي فقط أن نلقي نظرة على تاريخ المسلمين قديما وحديثا في كيفية التعامل مع القرآن كغرض سواء عرضه على أسنة الرماح كما أشرنا أورميه بالسهام كما هو حال الخليفة الأموي الوليد بن يزيد بن معاوية (صاحب قصيدة: أصابك عشق أم رميت بأسهم ...) الذي رمى المصحف بسهم في لحظة مجون . ولعل أبرز مظهر لهذه الفيتيشية هي إستعمالات الإسلامين (الأخوان والجماعة السلفية) في مصر قبل وبعد الثورة المصرية في رفع المصاحف حتى أن الداعية السلفي مظهر شاهين طالب مؤسسة الأزهر الشريف بفتوى تتيح لرجال الأمن الدوس على المصحف من أجل مواصلة مطاردة المحتجين في حال قيامهم بإلقاء المصاحف على الأرض تحت أقدام الجنود (*).

قتلى القرآن

هناك كتاب بديع لأبي إسحاق الثعلبي عنوانه “قتلى القرآن” يعدّد فيه مؤلفه في القرن الرابع الهجري مصرع كوكبة من أجلاء المسلمين على يد القرآن. مسلمون مبثوثون على أطراف الكوفة إلى تخوم نيسابور لم يتحملوا وقع القرآن في آذانهم ولم يصبروا على وقع تأثير آياته في صدورهم فخرّوا صرعى منصعقين بروع جلاله وروعة بهائه. مسلمون أُولٌ انخلعت فرائسهم من سماع القرآن فانسحقوا من خشية الله لأن القرآن وَحْيٌ ورَوْعٌ ، وتذكر الأخبار وكتب السيرة تلك المعاناة الكبرى التي كان يعيشها النبي الأمي الأكرم وهو يتلقى الوحي حتى لكأن من وطأته ما كاد يذهب بلبّه أو حتى أنه إذا نزل عليه الوحي كُرب له وتربّد وجهُه أوأنه يفصم عنه وإن جبينه ليتفصُد عرقا أوأنه إذا أوحي إليه، وُقِدَ لذلك ساعة كهيئة السّكران(*). لا أحد بإمكانه أن يتمثل معاناة النبي ورَوْعه حين ينزل عليه القرآن بوطأته الشديدة وقد يَفْجَؤُهُ الوحيُ وهو على راحلته فتنْهدّ الدابة من تحته وترغورغاء من شدة ما يشعر به راكبها من ثقل ومن رَوْعِ...أجل القرآن روْعٌ في روْعِ إذ ينزل على قلب المرء، والرّوْع من معانيه الخوف والرّعب الشديد ومن معاني الرّوع أيضا الرّوعة وهي اللذة القصوى التي لا طاقة للحواس بتحمل وطأتها هذا ما ندركه في أخبار “قتلى القرآن” لأبي إسحاق والذي قال أحد قتلى القرآن وهو يقف في المنام على منصور بن عمار الواعظ البصري الذي تلا عليه بعض الآيات فقتله: “لقد أتاني ثواب أهل بدر لأنهم قتلوا بسيوف الكفار وقتلت بسيف الملك الغفار”(*).

تدافع الوعاظ

تلك أخبار قتلى القرآن الأوائل الذي تلمسوا بنقاء سريرتهم سبلا في القرآن مهدت لأهم تجربة روحية في الإسلام هي تجربة التصوف النابع في الأصل - وخارج كل تأثيرات أخرى - من هذا السر المذهل في إكتشاف القرآن كحدث خارق ... مسلمون أُولٌ قتلهم القرآن عند سماع آياته وليسوا حتما بأسلاف لأولئك الذين يفتعلون البكاء في المساجد أوعلى المنابر يلطمون ويهيجون الناس فترى الواحد قائما على المنبر كمن يقف على تلقيم المنجنيق بالحجارة والقار يهدم أسوارا وقلاعا لا رافع لها إلا وهم الفُرقَة ما بين الفرقة الناجية والسبعين فرقة أخرى الهالكة. أيمّة جمعة ووُعّاظ متدافعون على المنابر تنقل خطبهم التلفزيونات وهم على منابرهم ينادُون بالويل والثبور وعظائم الأمور حتى أن أحدهم من عنت حقده على العلمانيين وهو يسبهم بأقبح الأوصاف في خطبة الجمعة وفي بيت الله التي جعلت لذكر أسمائه قد عمد في هياجه وهو يلطم نفسه إلى دك المنبر الخشبي من تحته وآخر وهو يستذكر مقتلة الحسين عمد في لحظة أو ذروة هياجه الدرامي الكربلائي إلى التمسك بمروحة المسجد القريبة من المنبر فتحول في لحظة إلى سعدان ينط من بين لحاء الأشجار في أدغال الورع وأجمات الإيمان تتلاقفه أيادي المصلين وقد خرج عن طوره.

أكلة القرآن

لكن أغرب مظاهر هذه الفيتشية الجديدة تجاه القرآن هو أكله هذه الأيام في شكل حلوى، أي صناعة قالب من الحلوى (أو الترته) في شكل مصحف قرآني مفتوح ترسم أوتطبع عليه آيات قرآنية ويتم تناولها إمعانا في التمكن من القرآن وهي ظاهرة بدأت في الظهور في بعض المجتمعات الإسلامية في بلدان الخليج وفي تركيا، حتى أن مفتي عام المملكة السعودية الشيخ عبد العزيز آل الشيخ قد تصدى إليها بفتوى تحرم هذه الممارسة، ويبدو أن هذه الظاهرة قد روجت لها بعض المدارس الدينية وحلقات تحفيظ القرآن في السعودية وأصبحت من العادات الدارجة في حفلات الخطوبة والزواج ومناسبات التخرج في المدارس القرآنية. وهي نفس الممارسة في صناعة حلوى المصاحف التي ينفذه أنصار حزب العدالة والتنمية الأردوغاني ففي إحدى الاحتفالات في منتصف هذا الشهر تم صنع قالب من الحلوى على شكل المصحف الشريف ، ومن ثم قام المحتفلون وهم من أنصار أردوغان بتقطيعها أمام الكاميرات والتهامها ولعق أصابعهم وقد أشعلت هذا الصور المواقع الإعلامية والإجتماعية في تركيا بين مستحسن ومستنكر . ويبدو أن wهذه الممارسة في أكل القرآن تحولت إلى طقس تديني عند الإسلاميين وهو طقس يجدد لنا تلك الصورة الوثنية التي تذكرنا بالخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استذكر ما أبكاه وما أضحكه أيام الوثنية قبل الإسلام ، وما أبكاه كما هو معروف هو وأد إبنته ، وما أضحكه هو أنه أراد أن يتعبد فصنع إلها من العجوة أي من التمر فحين جاع عمد إلى أكله وقال: “كنت في الجاهلية أعبد صنما من العجوة، فإذا دار العام أكلت هذا الصنم ، وصنعت من البلح الجديد صنما غيره . ويبدو أن هذا النوع من التيوفاجيا Théophagie (أكل الإله) يعود بشكل ما إلينا هذه المرة في شكل نوع من القرآن وفاجيا Coranophagie (أكل القرآن) (*) قياسا على الكلمة المركبة ببليوفاجيا Bibliophagie (أكل الكتب) أو قريبة من الدائرة الدلالية لطقس التناول Eucharistie في المسيحية التي يتم فيها رمزيا أكل لحم وشرب دم المسيح بوصفه إلها مخلصا.

وثنية جديدة

أجل ثمة “وثنية جديدة” تكتسح مجتمعات المسلمة ناتجة في رأيي عن إفراط البعض من المتدينين المنتعشين في ظل الإسلام السياسي الذين نجحوا في تغييب الله بالمثابرة على استحضاره بشكل “متاعي” أو”غرضي”، ونجحوا في تغييب القرآن في حشره في الدائرة الفيتشية، أُنظر كيف يكتبون الآيات القرآنية على كل شيء في الأغراض والأدوات والسيارات و معلقات الدعاية السياسية والسياحية وغيرها. وليست هذه الوثنية متعلقة بالقرآن فحسب في مجالات العبادة نفسها لعل آخرها مجسدات الكعبة وطقوس الحج والرّجم في الملاعب وغيرها من المظاهر وصولا إلى مبايعة العاهل السعودي مجسم في صورته الكرتونية يسلم على الناس من خلال بديل واقف وراء هذه الصورة. ولا غرابة على عودة الوثنية هذه ما تقوم به داعش في تبديد التراث الإنساني باسم محاربة الأصنام لكنه في الحقيقة طقس مستعاد لهذه الوثنية المقلوبة التي حولت الرسالة الداعشية بديلا عن الرسالة المحمدية نفسها فحولت الله إلى إله وثني متعطش للدماء والدمار.

يذكر الحافظ الأشعث السجستاني المتوفي في بداية القرن الرابع الهجري في كتابه “كتاب المصاحف” في فصل “تحلية المصاحف بالذهب” عن حديث للمحاربي عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس أنه رأى مصحفا قد زُيّن بفضة، فقال: تغرون به السارق، إن زينته أي زينة القرآن في جوفه”(*). وبالعودة للمطرب التونسي صاحب المقهى والذي حمى محله بعلبة ذالك “المصحف” الفضي من السرقة فقد باع محله ذاك أي مقهاه إلى شركة بنكية قطرية حولته إلى مصرف بنكي ولا أدري إلي اليوم ما كان في جوف تلك العلبة الفضية، لكنني أعرف أن الآيات القرآنية المكتوبة على الحلوى قد قبعت في جوف أنصار الأردوغانيين.

هوامش:

(*)أليفييه روا، الجهل المقدس، دار الساقي، بيروت 2012

(*) أنظر موقع المصري اليوم، 26 نوفمبر 2014.

(*)أبوإسحاق الثعلبي: قتلى القرآن ، العبيكان ، الرياض 2008.

(*)محمد بن سعد: الطبقات الكبرى ، الجزء الأول، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

(*) هذه الكلمة كورانوفاجي Coranophagie لا وجود لها في الاستعمال المصطلحي، وإنما نحتناها على قياس الكلمات المركبة في الإغريقية.

(*) الحافظ بن الأشعث السجستاني، كتاب المصاحف، المطبعة الرحمانية مصر، القاهرة 1936.

عبد الحليم المسعودي

كاتب تونسي