ما ينجو من معاول الجهاديين في تدمر، يتلقفه تجار الآثار

ماذا تفعل الدولة الاسلامية بآثار يتعذر نقلها؟

بعد أكثر من تجربة تتعلق بتعامل الدولة الإسلامية ونظام بشار الأسد مع الآثار، لا شيء بعيد عن النظام أو التنظيم: التنظيم فيما قام به بالأصالة عن نفسه في العراق من نهب وتحطيم، والنظام في ما نقله الناشطون عنه من إفساح الفرصة أمام من يريد لحفر المناطق الأثرية في أفاميا وتل الحريري في دير الزور وغيرهما.

يقول مؤلف كتاب "غرفة في جبل شحشبو" الصحافي مصعب الحمادي "في 28 آذار 2011 وإثر إطلاق أول مظاهرة مناوئة للنظام في مدينة أفاميا (قلعة المضيق) في ريف حماة وصل رئيس مفرزة الأمن العسكري في منطقة الغاب إلى سوق الحميدية ليجد عدداً من الشبان كانوا لا يزالون متجمهرين هناك بعد انفضاض المظاهرة فتوجه إليهم قائلاً: شو بدكن بالمظاهرات يا شباب؟ يا أخي هي الآثار قدامكن... اطلعوا احفروها وشوفو رزقتكن أحسن من وجع هالراس".

لم تصل حتى اللحظة الأنباء الأسوأ من تدمر بعد حلول داعش (التسمية الشائعة لتنظيم الدولة الإسلامية) ‏فيها إثر ما يشبه معاركَ استمرت أسبوعاً واحداً مع جيش بشار ‏الأسد وميليشيات الدفاع الوطني في المدينة.‏

استطاع جزء كبير من السكان المقدر عددهم بـ200 ألف نسمة ‏من الفرار قبيل المعركة وبعدها. فأثناء المعركة منعت قوات ‏النظام فرار الأهالي على عكس ما ادعت من أنها فتحت ممراً ‏آمناً لهم للخروج قبل انسحاب ما تبقى من تلك القوات باتجاه ‏منطقة خنيفيس المشهورة بمنجم الفوسفات فيها.‏

مدينة الفوسفات نفسها احتلها تنظيم داعش منذ أيام.‏

هكذا يتم تسهيل مهمة لصوص الآثار

هنالك أنباء مقلقة عن إعدامات لتدمريين بتهمة التعاون مع قوات النظام في المدينة ‏وتضييق على حياة ما تبقى من السكان ومنع للتجول ليلاً. عدا ‏ذلك لا تزال المدينة الأثرية في أمان حتى الآن.

وأما لغزا سجن ‏تدمر ومتحف المدينة فانجلى الغموض عنهما بتأكيد إجلاء ‏السجناء إلى حمص أو دمشق وفق روايتين وعددهم بين تسعة ‏آلاف و11 ألفاً وفق روايتين أيضاً، ومن ثم دمر التنظيم شاهداً مهماً على أحد أحقر السجون في العالم فاشتعل النقاش بين مؤيد لهذا التدمير ومعترض. وعن آثار متحف تدمر تبين أن أهم القطع ‏الأثرية تم نقلها مبكراً إلى مكان آمن وفق الأخبار المتداولة نقلاً ‏عن المدير العام للآثار والمتاحف في سوريا مأمون عبدالكريم.‏

لا يبدو أن تنظيم داعش مستعجل على تصدير قباحاته في ‏المتاحف هذه المرة كما فعل في متحف نينوى، إذ انشغل في ‏استئناف مطاردة فلول النظام التي اتجهت إلى حمص عبر ‏الفرقلس أولاً ثم خنيفيس ثانياً، وربما إلى المطارات العسكرية ‏الكبرى المنتشرة في البادية شرق مدينة حمص.‏

ولم تنقل الأنباء من مصادر داعش أو الناشطين المدنيين أن ‏التنظيم حطم أعمدة الشارع المستقيم الممتدة لمسافة تزيد على ألف متر لكن مأمون عبدالكريم لفت ‏إلى وجود قطع كبيرة مثل تابوت يزن أكثر من ثلاثة أطنان لم ‏يتمكنوا من نقله مؤكداً أن التنظيم تفقد المتحف ووضع حراساً من عناصره على أبوابه بعد أن أقفلها.

وحتى الآن لا يزال المتابعون يأملون أن يخالف داعش التوقعات بعدم المساس بآثار المدينة ومن بين هؤلاء اليونسكو التي لا تملك سوى القلق على إحدى أهم المدن على قائمة المنظمة للتراث العالمي.

رغم ذلك، الأمل وحده لا يكفي. فالشارع المستقيم والمعابد وأشهرها وأكثرها كمالاً معبد بل إضافة إلى المدافن البرجية التي لا تزال في خطر. وقد نجد في تفسير عدم استعجال داعش بتحطيم الآثار أنه لم يجد ربما تماثيل في المتحف أو أن شرعيي داعش لم يتفرغوا بعد للإفتاء بتحطيم "المعابد الجاهلية" التي تدل عليها أسماؤها (ومنها معبد بل ومعبد بعلشمين) وعلى الأغلب سيقودنا الظن أنها ستحطم شيئاً ما في استعراض مصور بعد أن تكون مررته للتجار الذين يتربصون بالآثار الآن قريباً من تدمر.

وهذه هي الحجة نفسها التي قد يدعيها نظام الأسد في وقت ما قادم، حين يعلن عن فقدان قطع أثرية هامة. والنتيجة هي تحطيم مجسمات مطابقة لكن مزورة بينما تكون الأصلية في طريقها إلى خارج سوريا عبر إحدى الدول المجاورة.