القاهرة الثقافية تحتفي بستينية محمد عيد إبراهيم

يحزنُ مَن يُحبّني عن حقٍّ

احتفى الوسط الثقافي المصري أخيرا ببلوغ الشاعر والمترجم محمد عيد إبراهيم الستين، فكرمته الهيئة العامة لقصور الثقافة، وأقيمت له أكثر من ندوة نقدية وأمسية شعرية شارك وتحدث فيه شعراء ونقاد من مختلف الأجيال، وقرأ فيها قصائد من مجموعاته الشعرية وقدم شهادة شعرية حول تجربته الممتدة منذ أوائل السبعينيات وتميزت بتجديدها وتفرد خصوصيتها.

ومسيرة الشاعر محمد عيد إبراهيم حافلة بالعطاء الإبداعي تأليفا وبالترجمات المتميزة، ففي الشعر له 12 مجموعة أولها "طور الوحشة" صدر عام 1980 وآخرها "عيد النساج" 2015، وفي الترجمات الشعرية له 14 ترجمة لأعمال عدد من أبرز الشعراء العالميين مثل سودرجران وآن سكستون وتيد هيوز، وفي الترجمات الروائية له 22 ترجمة أيضا لروائيين عالميين مثل توني موريسون وميلان كونديرا ومايكل كننجهام والمركيز دو ساد ودون ديليلو، وفي ترجمة المجموعات القصصية له 7 ترجمات منها لبورخيس واتيالو كالفينو ومرجريت أتوود، وله في الترجمات النقدية 6 ترجمات من أبرزها كتاب "مقدمة لقصيدة النثر.. أنماط ونماذج" تحرير بريان كليمنس وجيمي دونام، وأيضا كتاب "دورة ما بعد الحداثة" لإيهاب حسن، وله أيضا 5 ترجمات لمجموعات قصصية للأطفال.

في شهادته تطرق محمد عييد إبراهيم لبداياته ورؤاه وتجربته وتطورها وتحدث عن تلك الفترة الحرجة من السبعينيات حيث بدأ، يقول "كنّا في جيل السبعينيات من دون منابر ثقافية، أيام السادات، فرحنا نصدر مطبوعاتنا بأيدينا، ظاهرة "الماستر"، لم تكن هناك آلات نسخ ولا كمبيوتر ولا إنترنت، ولا مجلاّت ولا صحف ترضى بنصوصنا، فحاولنا إيصال ما نكتب بوسائل بدائية مستعصية الآن، لكنها كانت زادنا، وأنجزنا بها شيئاً لنا وللشعر في مصر تلك الفترة. لكن الزمن تغيّر، فلم تعد تلك الوسائل مجدية، بل صار النشر سهلاً إلى حدّ الابتذال أحياناً، مما خلط الحابل بالنابل، وصار الشعر على الأرصفة، بعضه جيد وكثير منه غثّ. وزاد الوحل نشر الخواطر على أنها شعر، من غير خبرة ولا قراءة ولا وعي لا بالتراث ولا غيره، وعليك أن تفتّش في القشّ لتبحث عن إبرة ولو صدئة. كنتُ دائماً على يسار جيل السبعينيات، أسعى بقدر إلى التمايز عنهم، وسواءً نجحت أو أخفقت لا تعنيني، المهم أني أرضيت ذائقتي الجمالية بما أريد، جماعة (أصوات) كانت تسعى لأن تتخفّف من القيم التراثية في الشعر أكثر من جماعة (إضاءة)، لكن هذا المسعى توفّق عند بعضهم، وأخفق عند آخرين، والعجيب أنهم في النهاية قد كفّ البعض عن اللحاق بالجديد في الشعر ولم يعد يواكب، بينما واصل البعض في محاولة منهم لخلق ذات إبداعية تعاصر الزمن، والزمن مفرمة لكلّ تقليد إبداعيّ، إن لم تنتبه، فقد تصبح كمن جاء إلى العُرس وجلبابه متّسخ وبنعل مهترئ، أو كمن جاء بعدما أنجبت العروس أو ماتت".

وفي مناقشته لديوان "خضراء الله" الذي أصدره الشاعر عام 2014 يذكر الناقد د. شاكر عبدالحميد أن محمد عيد يستخدم في هذا الديوان وفي أعماله الأخرى اللغة بطرائق إبداعية يخرج فيها دائمًا من المألوف إلى غير المألوف، يكسر التوقعات ويرجئ الإشباعات، وكأنه يلجأ وفي معظم كتاباته الشعرية إلى ما يسمى في الموسيقى بالنبر المرجأ، فالمعنى مؤجل غير متاح لمن أراده يسيرًا، والإشباع مرجأ غير متوفر لمن سعى خلفه بخفة، سهلاً دون عناء.

هنا تجارب في اللغة والأصوات واللسانيات، وهنا مزج بين المألوف وغير المألوف، وهنا محاولات مستميتة لاستكناه أعماق اللغة واستبصارها، وجعلها تنطق بما لا تنطق به، أو تبوح بما لا تبوح به إلا للعارفين والسالكين والخارجين عن كل ما هو نمطي أو مطروق أو مباشر أو يسير.

في ديوانه "خضراء الله" يبدو محمد عيد وكأنه يتأمل ذاته من خلال كلماته ويتأمل كلماته من خلال ذاته، وهو يفعل ذلك وبخاصة من خلال لسان هذه الذات، وأسلوبها وشخصياتها وتفصيلاتها.

هنا لغة شفاهية أكثر منها كتابية وذلك على الرغم من أنها مقدمة إلينا في صيغة مكتوبة. وهناك نزعة غريزية بدائية جسدية وجسدانية تقف وراء هذه اللغة. هنا تجربة تحاول أن تخرج من أسر الإشارات المباشرة إلى آفاق الدلالات المتعددة، ومحاولة لقلب نظام اللغة الرتيب والإتيان بنظام آخر عجيب، وكأن اللغة ترتد، هنا إلى عالم "الهو" الغريزي (لدى فرويد) وتنكص إلى أعماق اللاشعور، وكأنها أيضًا، بل هي كذلك، تخرج من النظام إلى اللانظام كي تعيد تشكيله من جديد".

وفي قراءته لدِيوانُ "عِيد النَّسَّاج" أحدث أعمال الشاعر، يقول الناقد والشاعر شريف رزق أن هذا الديوان يأتي بعدَ مَرْحَلة منْ التَّجريبِ الشِّعريِّ الخاصِّ، بَدَأهَا بديوانِه "طَوْر الوَحْشَة" عام 1980، وَفيْهَا أرْسَى مَلامحَ خِطابٍ شِعريٍّ يقومُ على تثويْرِ بنيَةَ الخِطابِ الشِّعري؛ عَبْرَ تفجيْرِ أنظمَتِهِ التَّركيبيَّة، وَإقامَةِ خِطَابِهِ الخّاصِّ على شَظَايَا عَوَالِمَ لغويَّةٍ مُهَدَّمَة، و"تشظِّي الأسلوب، والتَّفتيت، والانقطاعَات، والهَذيَان، وتحطيمِ التَّركيبِ اللغويِّ المألوف، وَحَذْفِ الكثيرِ منْ عناصِرِ الجُملة، وَالإبقَاءِ على شَظَايَا نحويَّةٍ مِنْهَا؛ وبالتَّالي إحْدَاث التَّشتيتِ الدَّلالي، وَالتَّوقُّفِ أطْوَل أمَامَ بِناءِ الخِطاب، ثمَّةَ احْتفاءٌ وَاضِحٌ ببنيَةِ التَّشظِّي، وَبكِمْيَاءِ اللغَة، وَبآليَّةِ الكُولاج، وَبالحَدَاثةِ الدَّاديَّة، وَهَذا الأدَاءُ يقودُ إلى تقدُّمِ الحُضورِ الشَّخصَانيِّ لِلغَة؛ تشكيلاً وَإيقاعا، على إنتَاجِ الدّلالات، في خِطابِ محمَّد عيد إبراهيم، تقدُّمًا لافتًا، يُميِّز خِطابَه عنْ بقيَّةِ شُعرَاءِ جِيلهِ"

ويضيف شريف رزق "في دِيوان عِيد النَّسَّاج تتبدَّى ظاهرَةٌ لافتةٌ في خِطابِ عِيد الشِّعريِّ؛ تتمثَّلُ في تقدُّمِ الحضورِ الإنسانيِّ على الحضورِ اللغوي، وَيُجسِّدُ الحضورُ الإنسانيُّ حفاوةٌ وَاضِحَةٌ بالشَّخصي وَالمَعِيشِي وَبسرديَّاتِ الحَيَاةِ اليوميَّةِ المَعِيشَةِ بتفاصِيلِهَا الحَيَّةِ الدَّقيقَة. يحضُرُ الشَّخصيُّ وَاليوميُّ وَالمَعِيشيُّ على نَحْوٍ كثيفٍ في شِعريَّةِ القَصِيدِ النَّثريِّ ، مُنذُ عِقديْنِ؛ لاسْتعَادَةِ إنسانيَّةِ الإنسَانِ؛ الَّذي سَحَقتْهُ نظريَّاتُ البنيويَّةِ وَمَا بعدَهَا، كمَا سَحَقتْهُ جَحَافلُ العَوْلمَةِ المُتوحِّشَةِ، في سَعْيهَا الضَّاري لِسَحْقِ الهُويّاتِ وَالمَلامِح الخَاصَّةِ لِصَالحِ مَشْروعِهَا الاسْتِعْمَاريِّ الأوْحِد. تتبدى سَرديَّاتُ الحَيَاةِ المَعِيشَة، وَسَرديَّاتُ التَّاريخِ الشَّخصي، في خِطابِ : عِيد النَّسَّاج ، عَبْرَ سَرْدٍ بَصَريٍّ شِفَاهي، يتوسَّعُ في تفاصِيلِهِ الدَّقيقَةِ ، وَتحضُرُ فيْه مَشَاهِدُ الحَيَاةِ اليوميَّةِ وَالواقِعِ المَعِيشِ على نَحْوٍ لافِت، يَمْتلِكُ السَّاردُ فيْهِ عينًا لاقطةً ، وَمِنْه قولُهُ في نص: المَرْأة وَالكلْب

"في الحَديقَة، يمشِي يوميًّا، عِنْدَ تنفُّسِ الصَّباح، رَجُلٌ وَكلبٌ وَامْرَأة. الرَّجلُ طويْل، ليْسَ طويلاً بالضَّبط؛ بلْ يميلُ إلى الطُّول، بكتفيْنِ مُعَضَّلتَيْن، أقْرَع، وَمُؤخّرَة دبَّابَة، وَالكلبُ ضَخْمٌ نقيض العَادَة، "بيتبول دوج" أوْ الألمانيُّ الفَجُّ العنيف. أمَّا المَرْأةُ فقصِيْرَةٌ نِسْبيًّا، هيفاء، مُدْبِرَة، عكسَ الرَّجُل؛ فمؤخرتُهَا مُنْسَابَةٌ سَيَّالةٌ مَسْحُوبَة..".

• قصيدة "مات الأدمن" من ديوان "عيد النساج"

يقولُ ابني: ماتَ الأدمن، بعد يومٍ عصيب... البقاءُ لله!

تقولُ زوجتي، وهي تنتفُ شَعرةً بيضاءَ من مَفرِقها: توفّي الشاعرُ والمترجمُ... كانَ حياتي!

وتقولُ بنتي الصغيرةُ، وهي تأكلُ بيضَها بالعسل: من أينَ طارَ بابا؟

بينما تقولُ الحامل، وهي تَحفِن جنينَها أن يقَع: لن يرى "جدّو".

وتضحكُ أختي التي ماتَت من قريبٍ، وهي تؤرجحُ عندَ وجهي "ما شاءَ الله" ذهبيةً كانت تحبّها، وقد باعَها زوجُها بعدما ماتَت: يا عَيني!

لكن لا أرى أمي، منذ أن نزفَت من أنفِها، وهي تموتُ سعيدةً كالأمل.

بابٌ يُفتح، وأزيزُ هاتفٍ يرنّ: مَن هناك؟

يحزنُ مَن يُحبّني عن حقٍّ: مخلصٌ دؤوب.

ويفرحُ أنصارُ "المجايلةِ حجابٌ": المشرَحةُ تلُمّ، عنيدٌ تنتفخُ سعادتهُ كلّما قيّدناه!

فأنزعُ نفسي من أكفاني، لا أذكُر أني مريضٌ، وأعرفُ كيفَ أقومُ دونَ مشقّةٍ.

أينَ كتابي؟ ينفتحُ السقفُ، فأرى وجهي ميتاً، والبردُ يهمسُ لي بطريقٍ جديد.

صوتٌ داخليٌّ يجمعُ الذبابَ على صفحةٍ ومياهٌ تملأُ النافذةَ.

في البلكونةِ كالنارِ في قطّةٍ. فرأيتُ أمي!

زرقاءَ في أحمرَ شفّافٍ كالفراشةِ حينَ تموت، لا تميلُ أو تحزن، بزاوية فمها بقايا بسمةٍ، وقد راحَ ظُفر إصبعِها المسودِّ من الباذنجانِ، فصارَ مشعّاً مثلَ بِلَّورٍ، وبالُها خليٌّ، حينَ مَسكَت بطرفِ يدي تنوَّرتُ: لا تخَف، هنا سترتاح.

موسيقى تستهلُّ الإقامةَ في مكانٍ كلّه فضّةٌ سوداءُ، مليءٌ بأماليدَ مقصوفةٍ، وأثداءٍ حمراءَ ملساءَ تمشي وحدَها في الشمسِ!

تحتَ النفق، حلمي تحقّق، أَهيمُ بقَدمَيّ، ولا تعنيني العصا، لكأني سجينٌ بفرحةِ أن أتنفّسَ.

حِبرٌ غيرُ مرئيٍّ من دمي، بصماتٌ على صَخَرٍ، ثم اختفَى اللمسُ.

على جانبٍ، نوتيٌّ في قاربٍ. ينادى، برأسهِ ظلٌّ من سَحابٍ: لن يزوركَ البلبلُ، فهو مريضٌ، واربط حِزامَ النجاة!

لن أكتبَ؟ طيب...، ولا كلمةً فحسبُ في فضاءٍ، وأفرحُ بتلاوينها...؟ ولماذا كلُّ هذا الثلجِ في ضوءِ القمر!

أفقٌ هناكَ إلى غرفةٍ، وما يبدو كمثلِ قطارٍ إلى نقطةٍ.

أطرحُ ظِلّي، والـ "كا" قَريني يَلزَمني، ويُلزِمني ببرنامجٍ أن أزرعَ الرملَ في صفٍّ، عندَ أولِ الشاشة.

لماذا أرى الحبّ يخمشُ السماءَ، أمامَ حَشدِ وجوهٍ لا ملامحَ لها، لا عيوناً أو شفةً، لا تعابيرَ أو حركاتِ غضب؟

حائطٌ، وعليهِ بقايا كلامٍ، من اسمي!

تغطسُ الشمسُ في بئرٍ من الفحمِ، رمزٌ على منظورٍ.

الشجرةُ والسماء، تجمعان حياتي في سلّةٍ كالنفايةِ، ثم حضورُ العمَى.

مَن يريدُ المزيدَ، وإن قليلاً: لن تمشي خيولُ النَعشِ!

أفتحُ ظَهري لمن يرغَب، فتزورني الشوكة.