الإمارات.. فكرتها في الإعلام والتسامح

النعيم في التعايش بين الديانات والأقوام والألوان

عندما يقع اختيار وزراء الإعلام العرب على فكرة طرحتها دولة الإمارات العربية المتحدة تتعلق بدور الإعلام في نشر قيم التسامح ومكافحة التطرف؛ فإن المعنى الذي ينبغي أن نفكر فيه أن هناك علاقة ببن ما يتم اختياره على الأرض الإماراتية وبين اختيار وزراء الإعلام للمشروع الإماراتي. وهذا الأمر ليس حالة افتراضية أو خيالاً ولكنه حقيقة، فدولة الإمارات تعتبر واحدة من أكثر دول العالم التي تتمتع بالتسامح والتعايش السلمي بين الناس. وبالتالي، يمكننا أن ننظر إلى اختيار المقترح الإماراتي على أنه بمنزلة شهادة عربية لكفاءة الوضع القائم في الإمارات، من حيث التسامح بين مختلف الأعراق والديانات، بل «الطوائف»، التي قد يعيش بعضها حالة صراع في بلادها، ولكنها تعيش بسلام على أرض الإمارات. بل يمكننا النظر لهذا الاختيار.

على أنه اعتراف بأن الرسالة الإعلامية في الإمارات هي الأكثر نزاهة وخدمة للتسامح بين الناس، ولاسيما أن هذه الوسيلة في الدول العربية الأخرى أخذت منحى آخر غير خدمة فكرة التعايش السلمي بين أبناء الدولة الواحدة، كما هي الحال في العراق ولبنان، حيث تتغلب الطائفية في القنوات على خدمة المواطن، أو في مصر حيث تتصارع القنوات في قضايا تصرف المصريين عن التركيز على بناء وطنهم.

إذن، بهذه الصورة فليس من قبيل المجاملة أن يتم اختيار المقترح الإماراتي ليكون الخطة الإعلامية لنشر التسامح ومكافحة التطرف، فهي من الناحية العملية تقدم نموذجاً عالمياً فريداً يمكن لحكومات العالم كله، وليس العرب فقط، الاستفادة منه، إذ إنها تحسن استخدام الإعلام وغيره من وسائل «القوة الناعمة» مثل منابر المساجد في تقديم الصورة الحقيقية للتعايش بين المختلفين.

وحينما يرتبط الإعلام بمكافحة التطرف فإن هناك إدراكاً من القائمين عليه لحجم صدى هذه الوسيلة فيما تفعله من تأثير في اتجاهات الرأي العام العربي. وقد لاحظنا أن بعض وسائل الإعلام تجرأت في كثير من الأحيان على أساسيات المجتمع، بل تجاوزت الخطوط الحمراء من دون اعتبار لأصول المهنة أو لأعراف المجتمع، حتى إنها ضربت بالخوف على استقرار الوطن عرض الحائط، حيث تحولت إلى ساحات لتصفية الحسابات بين الإعلاميين. وفي أحيان أخرى تقدمت مصالح أصحاب القنوات على مصلحة الوطن. حتى أصبحت لدينا «ظاهرة» من الفوضى والانفلات الإعلامي. وبالتالي أصبح ضبط ذلك الوضع مطلباً اجتماعياً أساسياً. وفي الحقيقة لم يكن هذا هو الموقف الوحيد حول دور الإعلام في مكافحة التطرف، على اعتبار أن الجميع يدرك أهمية هذه الوسيلة في أن تجعل الكثير من القضايا شيئاً آخر مختلفاً إن أرادت ذلك، فهو سلاح ذو حدين، وخاصة حينما يتعلق الأمر بالقضايا الخلافية في الدين مثل التسامح، والتي جلبت الكثير من المآسي على الإسلام والمسلمين في العالم، بل إنها أجّجت الصراع الديني والمذهبي في بعض الدول العربية.

إن الحذر في التناول الإعلامي أمر لم يعد من «الرفاهية لإعلامية» بقدر ما هو حاجة ضرورية، لأن لمّ الشمل في الدولة الواحدة وبين أقطار الدول العربية أكثر أهمية، وبالتالي ينبغي أن تكون لأي وسيلة إعلامية كوابح وحدود تحول دون كل ما يهدد استقرار الدولة، بحيث لا يستطيع أن يتجاوزها أي إعلامي أو مؤسسة حتى لو أراد ذلك، وإلا فسيجد نفسه أمام طائلة المحاسبة، كما يحدث في الدول المتقدمة، حيث تتم إقالة أي إعلامي إذا مسّ إحدى رواسخ المجتمع مثل «التمييز العرقي».

لقد كثر الحديث عن الحاجة إلى تطوير الإعلام العربي لخدمة القضايا الوطنية، وتدريب كوادره ليكونوا أكثر فعالية في صناعة كل ما يجمع ولا يفرق. وكثر الحديث عن أهمية وضع ضوابط على السيولة الإعلامية، وليس تقييد الحريات، لأن المجتمع العربي أصبح مهدداً من الداخل بسبب هذه الوسيلة.

والحديث عن دور الإعلام في مكافحة التطرف يمكن فهمه من ناحية صنع وتجهيز كوادر إعلامية قادرة على الدفاع عن الأوطان، سواء من محاولات تشويه صورتها التي يمارسها البعض في الخارج، أو من البرامج التي قد تتسبب في تمزيق المجتمع.

سيذكر التاريخ لدولة الإمارات جهدها في الحفاظ على تقديم الصورة السمحة للإسلام، وذلك من خلال محاربة التطرف بحزم وواقعية، وسيحفظ لها أنها سخرت إعلامها ومنابرها الدينية للتصدي للجماعات المتطرفة.

محمد خلفان الصوافي

كاتب إماراتي