عكاب سالم الطاهر .. في حبر الصحافة والسياسة والحياة!

عشنا معه أياما وسنين عديدة

قبل أكثر من ثلاثين عاما، تعرفت الى عكاب سالم الطاهر، كاتبا صحفيا، من خلال عموده في جريدة العراق، (اوراق المسافر) او (من حقيبة السفر) لا أتذكر بالضبط، لكن لم تتح لي فرصة التعرف اليه شخصيا، ومنذ ذلك التاريخ، استقرت في ذهني كتاباته مع صورة لشاب مبتسم، يتمتع بوسامة ريفية، لا تخفي برجوازية نسبية! تظهرها الصورة التي تعلو العمود، الذي يكون في العادة أعلى الصفحة أيضا.

وكنت وقتذاك، ومازلت، شغوفا بقراءة الأعمدة الصحفية، لاسيما في الدوريات العربية التي تدخل العراق بانتظام في تلك المرحلة، وكذلك الأعمدة التي يكتبها صحفيون وكتاب عراقيون معروفون، استقر بعضهم، من خلال كتاباته، في الذاكرة، وبعضهم غادرها فور مغادرته المكان الذي كان يشغله في الصحيفة.

ومن الذين أصروا على البقاء، عكاب سالم الطاهر، وقليلون غيره، لان كتاباتهم لم تكن انشائية او مرحلية استهلاكية، بالرغم من ان موضوعاتها عالجت قضايا مرحلية، لان قيمة الكتابة لا تكمن فقط في أهمية الموضوع الذي يتناوله الكاتب، وانما في كيفية معالجته، وجعله مادة يمتزج فيها الراهن بإرهاصاته التي تحرّض على الكتابة، بالماضي وبما يستشرفه من مستقبل ايضا، وهذا يتوقف على مستوى ثقافة الكاتب وحرفيته.

ولعلي أتذكر كيف اني التهمت وبزمن قياسي، كتابات سلامة موسى الصحفية، التي وصلتني، كما الكثيرين غيري من القراء بعد عقود، من خلال كتابيه الشهيرين "الأدب للشعب" و"مقالات ممنوعة" اللذين انشغلا بهموم (راهنية) في حينه، لكنهما بقيا يحملان بصمة كاتب كبير، جعل منهما كتابين للمستقبل، ليصلا اليّ طازجين وكأني أقرا عن أحداث وقعت بالامس!

عكاب سالم الطاهر، يعد من الجيل الذي عاصر التحولات الكبرى في حياة شعوب المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص، وهو جيل قاريء من دون شك، جيل لن يتجرأ اي واحد فيه على دخول ميدان الصحافة ما لم يكن متسلحا بثقافة عامة رصينة، مدعومة بوعي عام للحياة، تصقله قراءة الأدب ومجالات الفكر والسياسة والعلوم الاخرى، حيث كان المثقف في تلك المرحلة، بشكل عام، يستطيع ان يثري الحوار عند تناوله موضوعات مختلفة، بفعل قراءاته المتعددة تلك، بخلاف ما هو حاصل مع غالبية صحفيي اليوم، للأسف.

ومن هنا، فإن كتابات الطاهر وأمثاله من الصحفيين الناجحين، استحقت ان تبقى في الذاكرة واستحقت ان نحتفي بها وبه ولو بعد حين.

قبل أيام، واثناء مشاركتنا في مهرجان المربد الاخير في البصرة، التقيت عكاب سالم الطاهر، وتعرفت اليه شخصيا، وكان حوارنا مقتضبا وعن أمور عامة، ووعدني بأن نلتقي في بغداد ليهديني كتابه الأخير الذي أصدره مؤخرا، بعنوان "على ضفاف الكتابة والحياة .. الاعتراف يأتي متاخرا"، وهو الخامس له بعد كتبه الأربعة: "كانت لنا ايام في الريف"، "من حقيبة السفر"، "ذاكرة المسافر"، "اوراق المسافر".

ويبدو ان السفر اخذ حصة الاسد في حياة الطاهر وكتاباته ايضا، كنتيجة! والذي سيلقي به اخيرا، واضطرارا لا اختيارا في دمشق، بعد أن ضاقت بغداد بالكثيرين من اهلها بعد الاحتلال، لينكب هناك على مسودات كثيرة هي مادة كتابه هذا، الذي استعرض فيه رحلته مع الصحافة والمواقف والطرائف التي عاشها بين العديد من الصحف والدوريات العراقية، حيث عمل في أكثر من مطبوع، وترك في ذمة الايام، الكثير من الذكريات ايضا.

لقد تجولنا في هذا الكتاب مع الكاتب، وعشنا معه أياما وسنين عديدة، كان فيها صحفيا وكاتبا ومسؤولا، وجد نفسه ومنذ الصغر يسبح في حبر السياسة والصحافة، ليدون ما استطاع يراعه ان يدونه عن تلك المراحل، ليترك لنا هذه الذكريات الجميلة، والكتاب بشكل عام يمثل صورة بانورامية عن حياة الطاهر الصحفية والاجتماعية ايضا، معززا بالصور والوثائق المختلفة، كأنه أراد ان يقول فيه كل شيء عن نفسه، وبعض ما قيل بحقه كذلك، كاتبا وانسانا.

من الصعب استعراض مواد الكتاب في هذه السطور، كونها كثيرة ومتنوعة، لكنها التقت جميعها عند همّ مشترك، تقاسمته ايام الطاهر وهو يدون رحلة حياته على الورق، ويتركها للاجيال، بكل مافيها من بوح وفيض وجداني لم تنقصه حرفة الصحفي ولم يخذله أسلوب الاديب، اذ بدا لنا الكتاب، لاسيما المقدمة، وكأنه قطعة شعرية، حين ترك العنان لجوانياته ان تفيض بتلقائية وهو يحاول الامساك بخيوط دخان الزمن الهارب امامه:

".. اخذت اشعر ان قطار العمر، يمضي نحو المآل النهائي (وهو مآل حتمي .. شئنا ان ابينا)، ولم تبق سوى محطات قليلة ليصل المحطة الاخيرة. حتى الان، قضمت من عمري 72 عاما، واخشى ان يفاجئني الزائر الاخير بزيارة يصحبني فيها الى حيث يريد، والى حيث لا أريد، لذلك علي الاسراع بتدوين سيرتي".

في الختام، لا يسعني الا ان احيي الاستاذ الطاهر، على كل ما قدمه، كاتبا وصحفيا، ترك أثرا وبصمة في سفر صاحبة الجلالة، التي تعيش في عراق اليوم، مرحلة ارتباك واضح وجفاف في حبرها، مضطرب الالوان!

الكتاب الذي جاء بأكثر من 390 صفحة من القطع الكبير، صدر عن مكتبة الدار العربية للعلوم – بغداد.