المنظور الأمني: في سياسة دول الخليج العربي

الانتقال من موقع المتفرّج إلى موقع المبادر

لا بد من الوعي بالموقف السياسي العربي – الخليجي المعاصر– وتبدلاته المستقبلية عند التعامل مع المتنافسين الإقليميين القدامى والجدد، فسوف تظل إيران التهديد الرئيس للمنطقة على المستويات كافة، حيث يمكن التقليل من حجم الخطر الإيراني وقوته (تكتيكيا واستراتيجيا) وذلك من خلال تعزيز الوعي السياسي والشعبي الخليجي به، والتعاطي معه بحذر. وفي المقابل لا بد من التعاطي بوعي مع التقارب التركي بما يحقق المصالح العليا لدول الخليج، فهي دولة صديقة من عدة أوجه، أولها وأعمقها: أنها دولة إسلامية، وثانيها: أنها ذات عمق اقتصادي يمكن أن يكون شريكا استراتيجيا، إضافة إلى أنها جغرافيا في الطرف الآسيوي الأوروبي، وهذه ميزة حيوية ينبغي استثمارها.

استطاعت دول الخليج العربي، على الرغم من جميع المعوقات التي اعترضت طريق استكمال وحدتها، أو إعلانها ككيان جديد في المنطقة العربية، استطاعت أن تتجنّب ويلات الحروب والنزاعات الدولية المحيطة بها في العراق وسوريا وفلسطين واليمن ومصر، وأن تواصل خططها للتنمية الاقتصادية والحداثة، لكن من دون انفتاح سياسيّ حقيقيّ، قد يهدّد طبيعة أنظمتها السياسية الملكية والأسرية.

انتقل الخليج العربيّ من موقع المتفرّج إلى موقع المبادر، وصحيح أنّ أجهزة الاستخبارات الخليجية تعمل على إدارة الأزمات السياسية في المنطقة بطريقة حكيمة لتجنّب نفسها الآثار السلبية لتلك التحولات، غير أنّ غياب سياسة موحدة للدول الخليجية سيجعلها مستبعدة من الحسابات السياسية للقوى الإقليمية، كلما تقدّمت للتفاوض بشكل منفرد، إذ يدعم الخلاف الخليجيّ – الخليجيّ، الدور الإقليميّ لتركيا وإيران وإسرائيل على حساب دول المنطقة الخليجية، التي تحتاج إلى تخطيط محكم لمنع التهديدات من الوصول إلى حدودها الإقليمية، بالاعتماد على إمكاناتها الذاتية، ومن دون الحاجة إلى الحماية الأمريكية، التي يفترض بها أن تكون مكمّلة لا مشرفة ومسيطرة.

عمليا، أبان "الربيع العربي" المتعثر، خصوصا في الحالة المصرية، (وبعد إعلان براءة الرئيس المخلوع حسني مبارك وإخلاء سبيله في نوفمبر الماضي)، والزج بالرئيس السابق: محمد مرسي في السجن، وتسييس القضاء المصري بشكل مفضوح، وتغول "القرار الإيراني" على إدارة دواليب صناعة الهيكلية السياسية في "سوريا – لبنان – العراق – اليمن"، أبان عن عجز كبير في ديناميكية السياسة الخارجية الخليجية، ومع وجود تحالفات جديدة بين (مصر السيسي) والسعودية والكويت والبحرين من جهة، ووجود تحالف استراتيجي قديم بين (دولة قطر) وحركات الإسلام السياسي (الإخوان تحديدا.

وموقف قطر المنحاز تماما لمصر (مرسي) ومع وجود قطب اعتزالي محايد (ممثلا في سلطنة عمان تحديدا) تبدو استحالة صنع إرادة خليجية موحدة تضبط "إيقاع السياسة الخارجية الخليجية" ويبقى الخلاف في وجهات النظر "سياسيا" لا يتنزل على ساحة العمل الاقتصادي المشترك، ولا يؤثر على حجم التبادل التجاري، وتبقى "المسألة الأمنية" -مع الأسف- غائبة بشكل محوري، وهو ما يؤكده التغاضي عن مسألة انتهاك السيادة الإماراتية من طرف إيران في مسألة الجزر الثلاث، والتدخل الإيراني في الشأن الخليجي خصوصا (البحرين واليمن).

تتعاطى كل دولة في الخليج بمنطق براجماتي فردي، وهو ما يجعلها دائما في موقف "تفاوضي" ضعيف، على الرغم من بقائها (محوراً) أساسيا تتعامل معه القوى الغربية بمنطق براجماتي "مقيت"، وما لم تتفطن دول الخليج إلى أن "مسألة الأمن الخليجي قضية ملحة" فإن الأطراف الدولية بإمكانها أن تعيد صياغة التوصية السياسية لدول الخليج لغير صالحها، وإنما لصالح القوى العظمى أو لصالح القوى الإقليمية، خصوصا إيران التي تمتلك "أجندة واضحة" وتملك تحالفات استراتيجية مع حركات الإسلام السياسي بمختلف أطيافه (سنة وشيعة) وهو ما يجعلها قادرة –حقيقة- على "المبادرة والتأثير"، واللعب بأريحية في صياغة مستقبل الخليج العربي الذي يبقى في بوصلتها ورؤيتها "فارسيا".

إن هذا الموقف يقتضي إعادة صياغة منظومة السياسة الخارجية الخليجية، حتى تتمكن –حقيقة- من التأثير في صياغة القرار العالمي والإقليمي. بناء على ما سبق يمكن القول بما يلي:

السياسة الخارجية الخليجية يجب إعادة ضبطها بناء على سلم الربح والخسارة بالمنظور الجماعي الخليجي. وهو ما يقتضي تبني عقيدة عسكرية وأمنية خليجية تعلي من قيمة الأمن والمنافع البينية، وليس من قيمة التحالفات والعلاقات الضيقة التي تحتمها إكراهات ظرفية. فالخليج العربي وحدة اجتماعية واقتصادية تتوافر على عناصر القوة والضغط والتأثير، وتمتلك مقومات صناعة القرار الدولي والإقليمي، شريطة توافر الإرادة الجماعية.

صحيح أن لكل دولة أجندتها الخاصة، لكن التهديد الجماعي واحد ولا يفرق بين السعودية وقطر والبحرين والكويت وعمان والإمارات. وعليه؛ فإن تبني محاور "سياسة الصقور" و"سياسة الاعتدال" غير محبذة في التعاطي مع الشأن الدولي الضاغط والزاحف، الذي يهدد دول الخليج العربي.

إن المعطى الطائفي لا يمكن إنكاره، وبإمكانه أن يتحالف مع قوى راديكالية وقوى إسلاموية، ويحول بعض دول الخليج الصغيرة إلى مشاريع لدول فاشلة، وفي هذه الحالة فإن دول الخليج العربي مجتمعة ستدفع فاتورة الفشل الدولتي الذي ستعاني منه إحداها.

ستتجرع دول الخليج العربي -في المدى المنظور- مرارة الفشل والانقسام والتشظي الذي ستعانيه اليمن بعد سيطرة الحوثيين على أجزاء كبيرة من المحافظات الشمالية، وعندها ستجد نفسها أمام تيار جديد، براجماتي فاضح، يدين بالولاء للزيدية السياسية التي تحمل لواء أنصار الله أو جماعة الحوثيين شعارا ولواء للانقضاض على ما تبقى من اليمن.

وسيسعى الجنوب اليمني إلى الانفراد بخاصية دحر انتشار المد الحوثي. وهنا، لا يمكن للسعودية أن تقف موقف المتفرج وهي تدرك أن الجهة الشرقية الغنية تقطنها غالبية كبيرة من الشيعة الاثنا عشرية، التي تتحرك ببطء وتنتظر لحظة الحسم لإعلان مشروعها، ولكن بنزعة حقوقية وقانونية تعطيها مكانة في منظومة الخطاب السياسي الغربي والدولي، مستفيدة من "الانتصار الزائف للحوثيين" وهو ما يتطلب من السعودية ودول الخليج العمل على إعلاء قيم المواطنة لدى جميع الطوائف الدينية، والارتقاء بحقوق الإنسان بشكل يحد من التدخل الإقليمي -الإيراني تحديدا- في الشأن الداخلي.