النقوش على 'الجرار' تدوين لتاريخ الحضارات

الدليل للحضارات القديمة

كتب د. شوقي ضيف في مؤلفه، الذي خصّصه لتناول حياة أمير الشعراء أحمد شوقي، أنه كان يكتب بعضاً من أبيات قصائده على ورق علب الثقاب والدخان في كثير من الأحيان، وأصاب هذا البعض بالدهشة عند قراءة الكتاب، لأنهم يعرفون عن هذا الشاعر الكبير أنه "أرستقراطي" ومن عائلة ثرية، ومولود وفي فمه ملعقة من الذهب.

لكن دهشة هؤلاء من "أوراق أحمد شوقي الغريبة" حتماً ستتحوّل إلى هشيم عندما تأخذهم أقدامهم إلى المعارض الفنية التي تقتني من بين معروضاتها بعض "الجرار"، التي نُقشت عليها أعمال فنية رائعة، وكتبت عليها نصوص تاريخية مهمة، ما يجعلها وثائق تاريخية مهمة من تاريخ العرب.

ويلخّص المثل الشعبي المصري "كان في جرة وطلع لـ برة" كل الحكاية، فـ "الجرة" أقدم الأواني التي استخدمها الإنسان على الأرض، لكنه لم يكتف بكونها مجرد "إناء"، بل حوّلها إلى كتاب دوّن عليه حياته اليومية.

ومن الغريب أن "الجرار" ورغم كونها "سهلة الكسر"، فإنها حفظت تاريخ أحداث مهمة في التاريخ البشري على جدرانها الداخلية والخارجية.

ولما للجرار القديمة من أهمية، فإن المتاحف العالمية تحفظ المئات منها، يرجع تاريخها إلى عصور مختلفة، وقد تعلّم العرب سكان ضفاف الأنهار في سوريا والأردن والعراق ومصر صناعة الجرار منذ أقدم العصور، مستخدمين في صناعتها الطمي النقي، الذي يتجمّع على ضفاف هذه الأنهار، وهو "طمي" يشبه الصلصال في ليونته ونقائه، ومنه يشكّل الفخراني جراره.

يقول رفيق عبدالله، خبير الآثار: إن الجرار والأواني الفخارية استخدمتها الكثير من الحضارات، ومنها الفرعونية والآشورية واليونانية وفي العصر الإسلامي والقبطي، لتدوين التاريخ برسومات وأشكال تُعبّر عن أهم وأبرز الأحداث التي مرت بها، فكانت الجرار بمثابة كتب لتوثيق التاريخ القديم بأحداثه ومعاركه ومراحله المختلفة، موضحاً أنه كان يفضّل الكتابة والنقش على الجرار والمصنوعات الطينية، لمرونتها وسهولة تشكيلها وحفظ الرسومات عليها.

ويضيف عبدالله: أن الجرار انتشرت بشكل أوسع في الحضارات والشعوب التي كانت تعيش على ضفاف الأنهار والبحار، وذلك لوجود الطين اللين المادة التي تستخدم في صناعة تلك الجرة، لافتاً إلى أن صناعة الجرار لا تزال موجودة حتى الآن في بعض الدول ومنها مصر، والتي يصنع الجرار في أشكالها المختلفة في الصعيد على ضفاف النيل، ولكن أصبحت تُستخدم للزينة ولبعض الأغراض البسيطة، وليس كما كانت تُستخدم لحفظ تاريخ الأمم.

بينما تشير د. عزة فاروق، أستاذ الآثار بجامعة القاهرة، إلى أن النقوش الموجودة على الجرار على الرغم مما تحتويه من تاريخ وآثار، فهي تُعتبر حالة فنية في حد ذاتها عكست وضعية الفن في العصور القديمة، وأهمية الفن والرسم في حفظ تاريخ الأمم والشعوب، لافتة إلى أن الجرار استخدمت في تزيين المعابد وقصور الملوك والأمراء قديماً، فبجانب أنها سردت أحداثاً تاريخية هامة، وساعدت في اكتشاف سر الحضارات القديمة، فهي تحفة فنية تعكس لمسة جمالية.

وتابعت فاروق: الرسم والنقش على الجرار اختلف من حضارة لأخرى بما يعكس ثقافة الشعوب والحضارات المختلفة، فيمكنك بمجرد النظر إلى الجرارة أن تتعرّف إلى شعب وحضارة ما، فتجد النقوش الفرعونية والكتابة الهيروغليفية على جرار العصر الفرعوني، بينما تظهر بوضوح اللمسة العربية في جرار العصر الإسلامي، وعلى الرغم من بساطة تلك الجرار، إلا أنها ساهمت في فهم الكثير من أحداث الماضي، وفك طلاسم الكثير من الألغاز والأزمات، لما احتوت عليه من معلومات كانت بمثابة الدليل للحضارات القديمة. (خدمة وكالة الصحافة العربية)