'النساء الديمقراطيات' تطالب بتجريم كل أشكال العنف ضد المرأة في تونس

الإساءة للمرأة اتخذ نسقا تصاعديا منذ اندلاع الثورة

طالبت جمعية النساء الديمقراطيات الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة بتجريم كل أشكال العنف ضد المرأة بما فيه العنف المعنوي واللفظي والجنسي، إضافة إلى العنف المادي، وشددت على ضرورة "إجراء تنقيح جذري للقانون الجزائي" لحماية المرأة من كافة أشكال العنف المسلط عليها، فيما أظهرت بيانات أن العنف الموجه ضد المرأة تزايد بشكل "خطير" خلال السنوات الأربع الماضية ليشمل أكثر من 50 بالمائة من النساء التونسيات.

ودعت منية بن جميع أستاذة القانون وعضو الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات إلى "تنقيح القانون الجزائي لحماية المرأة من كافة أشكال العنف المسلط عليها ولضمان حقوقها" مشددة على ضرورة " ضرورة أن تجريم جميع أشكال العنف المسلط على المرأة في نطاق الحياة الزوجية بما في ذلك العنف النفسي والجنسي والاقتصادي".

ودعت بن جميع السبت خلال ندوة نظمتها الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات تحت عنوان "كيف نضع حدا للعنف المسلط على النساء" إلى ضرورة تناغم التشريع التونسي مع الاتفاقيات الدولية والمواثيق العالمية والقرارات المتعلقة بحماية حقوق المرأة" .

وجاءت الدعوة إثر نتائج عدة دراسات قامت بها مراكز بحوث ودراسات حكومية وخاصة كشفت استفحال ظاهرة العنف الجسدي والاقتصادي والمعنوي والجنسي خلال السنوات الأربع الماضية لتشمل أكثر من 50 بالمائة من النساء خاصة في الفئات الهشة والفقيرة والأمية التي تعد الضحية الأولى للأزمة التي تمر بها البلاد حيث تسرب الاحتقان الاجتماعي العام إلى العلاقات الاجتماعية سواء داخل الأسرة أو داخل الفضاءات المهنية.

فقد أظهرت دراسة أعدتها اللجنة الوطنية للمرأة العاملة بالإتحاد العام التونسي للشغل خلال شهر فبراير 2015 ونشرت نتائجها في 8 مارس 2015 أن نسبة النساء المعنفات في تونس شهدت نسقا تصاعديا مفزعا منذ ثورة يناير 2010 لتبلغ 50 بالمائة في مختلف الفئات والجهات بعد أن كانت هده النسبة في حدود 27 بالمائة قبل انتفاضة يناير.

وشددت جمعية النساء الديمقراطيات على ضرورة "الضغط على السلطات المعنية من أجل تنقيح القانون الجزائي باتجاه تجريم مختلف أشكال العنف ضد المرأة وطالبت بـ"احترام مفهوم المواطنة الذي يقوم على تمتع كل فرد بكامل حقوقه دون تمييز بين النوع الاجتماعي".

وقالت نجوى مخلوف منسقة اللجنة التونسية للمرأة بإتحاد الشغل والعضو باللجنة العالمية للمرأة في تصريحات سابقة أن العنف المسلط ضد المرأة في تونس قد تزايد بصفة ملحوظة مند ثورة يناير 2010 خاصة منه العنف الاقتصادي بالنسبة للمرأة العاملة والمتمثل خاصة في الطرد غير القانوني للمرأة ومنعها من العمل من قبل بعض الأزواج إضافة العنف المعنوي الذي يمارسه أرباب العمل بما في دلك التحرش الجنسي.

ويعرف الإعلان ألأممي لسنة 1993 حول القضاء على العنف ضد النساء العنف بأنه "كل عمل عنيف قائم على النوع الاجتماعي ينجر عنه أو يمكن أن ينجر عنه معاناة بدنية أو جنسية أو نفسية بما في ذلك التهديد والإكراه والسلب غير المبرر للحريات سواء وقع ذلك في الدائرة العامة أو الخاصة".

وأشارت مخلوف إلى أن العنف المسلط ضد المرأة ينقسم إلى أربعة أنواع وهو العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي مشددة على أن أعلى نسبة من أنواع العنف المسلط على المرأة هو العنف الجسدي الذي يشمل الصفع، اللكم، الركل، الحجز، الخنق، وحتى الحرق فاق 32 بالمائة ما يؤكد أن المرأة التونسية مازالت "ضحية عقلية مجتمع ذكوري تستنقص من مكانة المرأة وتستبيح جسدها ودلك على الرغم من أن المرأة التونسية التي تتمتع بقوانين متقدمة تحمي حقوقها المادية والمعنوية ويفترض أن تكون "حصنا تشريعيا" ضد تعنيفها.

وتظهر قراءة توزيع ظاهرة العنف ضد المرأة أن العنف النفسي الذي يعني السب والتخويف والاحتقار والحط من القيمة والقدح في القدرات الذهنية واستنقاصها والسخرية من الجسد والمظهر والممارسات اللفظية والإيحاءات التي تجرح يحتل المرتبة الثانية بعد العنف الجسدي بنسبة 28 فاصل 9 بالمائة ، ويأتي العنف الجنسي الذي يعني إجبار المرأة جسديا على أن تقيم علاقات جنسية ضد إرادتها، بما فيها ممارسات جنسية وضيعة ومهينة، أو الاستغلال الجنسي في الرتبة الثالثة بنسبة 15 فاصل 7 بالمائة فيما يمثل العنف الاقتصادي الذي يشمل الاستغلال المالي، الابتزاز، الحرمان من المال أو من الضروريات الحياتية ومراقبة التصرف في الراتب

7 فاصل 1 بالمائة.

ويسجل العنف من قبل الزوج أعلى النسب حيث يبلغ العنف الجسدي 48 بالمائة من الحالات، والعنف النفسي 69 بالمائة من الحالات، والعنف الجنسي 78 فاصل 2 بالمائة من الحالات، والعنف الاقتصادي 77 فاصل 9 بالمائة من الحالات التي شملتها الدراسة.

وتؤكد هده المؤشرات أن المرأة التونسية هي عرضة إلى مختلف أشكال العنف سواء في الفضاء الأسري حيث تتعرض لـ"الضرب" و"الشتم" و"الهرسلة النفسية" وحتى "الاغتصاب من طرف زجها" أو في فضاء المجتمع والعمل حيث تتعرض إلى "الاغتصاب" و"الإكراه على العمل الشاق" و"الطرد غير القانوني" من قبل أرباب العمل.

ويرجع الأخصائيون الاجتماعيون ونشطاء المجتمع المدني تزايد العنف ضد المرأة مند ثورة يناير 2014 إلى "التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها تونس وهي تحولات فككت العلاقات الأسرية وزجت بها في حالة من التوتر والتشنج تخذيها تردي أوضاع المعيشة وتزايد الضغوطات المادية وتعمق مظاهر البؤس والحرمان نتيجة تفشي البطالة والفقر".

ويضيف الخبراء أن المرأة مثلت خلال السنوات الأربعة الماضية "قاع هرم الاستغلال" في المجتمع وأنها "الضحية الأولى" لفشل سياسات الحكومات المتعاقبة على تأمين الحد الأدنى من التوازن الاجتماعي والنفسي داخل الأسرة التونسية وفشلها أيضا في حماية حقوق المرأة في العمل حيث تعرضت آلاف العاملات في القطاع الخاص إلى الطرد غير القانوني في غياب كامل لدور مؤسسات الدولة المعنية بحماية حقوق التونسيين الاقتصادية".

ووفق إحصائيات إتحاد الشغل فقد بلغت نسبة النساء العاملات في القطاع الخاص اللواتي تعرضن للطرد غير القانوني مند ثورة يناير 2010 أكثر من 27 بالمائة إما نتيجة توقف المؤسسات عن العمل دون تمكين العاملات من حقوقهن أو نتيجة "طرد مباشر" للعاملات بدون موجب قانوني.

وحسب توزيع نسب العنف الموجه ضد المرأة فإن المرأة المنحدرة من الفئات الاجتماعية الهشة والفقيرة والمحرومة حيث تنتشر الأمية بنسبة لا تقل عن 70 في المائة هي الأكثر عرضة للعنف بمختلف أشكاله بنسبة تفوق 73 بالمائة فيما تنخفض هده النسبة إلى 23 في المائة لدى الفئات الميسورة والمتعلمة.

وتفسر النسب العالية من العنف المسلط على المرأة في الفئات الهشة والفقيرة والأمية بخطورة تداعيات الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تتخبط فيه البلاد مند أربع سنوات على طبيعة العلاقات داخل الأسرة دلك أن تردي أوضاع المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية والبطالة توفر أرضية خصبة لتسليط شتى أنواع العنف على المرأة حيث كثيرا ما تضطر المرأة تحت ضغط عنف نفسي وجسدي يمارسه ضدها زوجها إلى القبول بـ"العنف الاقتصادي" من خلال امتهان شغل وضيع أو شاق بأجر لا يناسب جهدها.

غير أن أخطر أنواع العنف الذي تعرضت له المرأة التونسية مند ثورة يناير 2014 هو "العنف الديني" الذي تمارسه الجماعات السلفية ضد المرأة، حيث أكدت دراسة أعدتها كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية أن 83 بالمائة من النساء المتزوجات من السلفيين يتعرضن إلى شتى أنواع العنف بما فيها العنف الجنسي إضافة إلى عمليات إكراه أخرى مثل "ارتداء النقاب" و"إجبارها على ترك العمل" و"رفض خروجها من المنزل" و"ابتزاها ماليا".

وسجلت تونس خلال عام 2014 "أبشع" عملية عنف جنسي ارتكبها سلفي جهادي ضد زوجته المنقبة حيث أجبرها على السفر رفقته إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية لممارسة "جهاد النكاح"، واعترفت الزوجة التي تدعى "أم سلمى" لوسائل الإعلام المحلية بعد عودتها أن "زوجها أجبرها على ممارسة الجنس مع أكثر من 100 جهادي من مقاتلي "داعش".

وإزاء مؤشرات تزايد العنف المسلط على المرأة طالبت نجوى مخلوف بوضع قانون يجرم العنف ضد المرأة بكل أشكاله وحمايتها داعية مختلف مكونات المجتمع المدني إلى القيام بحملات لمناهضة العنف المسلط على المرأة ووضع إستراتيجية لمكافحة هذا العنف.

ولفت الإتحاد العام التونسي للشغل إلى أن "العنف المسلط على المرأة مند ثورة يناير تطور ليصبح عنف سياسي وعنف ثقافي خاصة من قبل المجموعات المتشددة والمسلحة عاشته المرأة التونسية في المحطات الانتخابية والأنشطة المجتمعية والمدنية والإعلام والتظاهرات الثقافية وحتى في موقع عملها داخل المؤسسات التربوية والكليات".

وشدد اتحاد الشغل على أن "مظاهر العنف في تونس اليوم تتجلى في الفضاء الخاص والفضاء العام وخاصة في موقع العمل حيث تواجه المرأة العاملة التهميش والتفقير والاضطهاد إلى حد الاستعباد وارتفعت بذلك أشكال العنف الاقتصادي ضد النساء فتجد المرأة نفسها ضحيّة المناولة والتسريح.

ودعا إتحاد الشغل إلى إرساء ثقافة المواطنة والتوزيع العادل للثورة والإنصاف الحقيقي بين الجنسين والحوار وتطوير القوانين لتجسد بذلك منظومة حقوق الإنسان الكونية التي تعتبر الكرامة الإنسانية أبرز قيمها وأهدافها.

ولا تتردد الجمعيات النسوية الناشطة في المجتمع المدني في تحميل الدولة مسؤولية تزايد العنف المسلط على المرأة مشددة على أن تنصل مؤسسات الدولة من القيام بواجبها في رعاية حقوق المرأة التي تنص عليها مختلف قوانين البلاد بما فيها قانون الأحوال الشخصية وقانون الشغل جعل المرأة التونسية عرضة لأبشع أنواع العنف ما جعلها تمثل "الضحية الأولى" للأزمة الاقتصادية والاجتماعية والقيمية التي تعيشها البلاد مند أربع سنوات.