'قبل العتمة بمتر' .. ديوان الحياة اليومية للمواطن والقصيدة

بس المواني سراب

الرحلة مع الذات التي تختبئ تحت بطانية واحدة مع صاحبها، رحلة مملوءة بتفاصيل كثيرة، بالرفاق وبالوحدة، بمعاناة الحياة وانتظار الموت، بالأصدقاء، وبالغياب. لا يبدو ديوان العامية للشاعر مجدي عبدالرحيم "قبل العتمة بمتر" سوى مساحة ضوء خافت قبل حلول ظلمة الأفق المقبلة.

الصوت الذي يبقى في رأسك بعد قراءة النصوص، هو صوت صراخ آلم وفي المقابل صوت يد تجيد الحنو على كتف الشخص نفسه.

يصلح العمل أن يكون يوميات مواطن يتحدث عن المكان والمعاناة اليومية:

"وأنا مقْتُول/ ما بين شُريان الصَّمت / وَريد البُوح".

في تلك المنطقة تقريبًا يبدأ الديوان، وهذه بداية الرحلة فحسب، ليمنحنا مساحة الحوار الداخلي لمواطن يكافح حياته اليومية في مناخ غير صالح كثيرًا لذلك، وتأتي أهمية هذه الأعمال الشعرية والروائية من كونها تبقى مرآة لتاريخ اجتماعي يمر:

"وأَكْل العِيش .. اللِّى طَاردنِى مِن بِيتى .. فِ عَتْمة الفَجْريَّه وعَامِلنى كَما الأَراجُوز".

الألبوم الإنساني متعدد الصور من حياة رجل يكافح لأجل الحياة رغم كل الضغوط. وتبدو السخرية حينما تظهر هذه المشاهد بجوار جمل ترصد الأغاني الوطنية والقومية.

العلاقة بالوطن هنا متعددة، ففي أحد جوانبها مؤلمة.

يقول بطل أحد النصوص إن مشاهد القتل والدم لم تعد تؤثر فيه. وهذا نتيجة للعنف وللظلم المتاح. رغم ذلك تبقى محبة كبرى يعلن عنها الشاعر في الربع الأخير من الديوان.

• بلا صحبة

يكشف الجزء الثاني لديوان "قبل العتمة بمتر" للشاعر مجدي عبدالرحيم عن نصوص لا تبحث في ألم الأحداث نفسها، لكنها تنقب عمن يقف في الجوار، ربما رفيق، حبيبة، أم، أو قصيدة.

فمن الشخصيات اللافتة بتكرارها لدى مجدي عبدالرحيم؛ شخص العجوز الذي ينتظر زيارة أو مودة، إذ في ديوان سابق كتب لوحة مشابهة أيضًا.

يأتي هذا النموذج أكثر من مرة، عن مساحة الزمن التي تمر والرجل الذي يتحول من "عيل يلضم الأبرة" لرجل يعجز عن فعل ذلك. ويبقى في أحد النصوص بانتظار يوم الجمعة الذي يجمع أبناء يعتذرون عن المجيء.

وتبدو هذه إحدى معاناة الإنسان اليومي، كفاحه ضد الزمن، ومحاولته البقاء رغم علاماته. والوحدة في الطريق، وانتظار ظهور آخرين لا يظهرون غالبًا.

في مقابل العجوز الذي يعاني نجد عجوزا آخر، لكنه هذه المرة حضن كبير متمثل في الأم:

"يَا سَنَد الرُّوحْ/ يَا شَجَر العُمْر العَطْشَانْ/ يَا طَاقْة النُّورْ/ السَّابْحَهْ فِى المَلَكُوتْ".

يبدو تساؤل الكِبر هنا تساؤل عمن سيكون موجودا في تلك المساحة الزمنية بجوار هذا الكائن الجميل الذي امتد به العمر، من يمنحه محبة، وفي المقابل من يحصل على محبته ودعمه.

حينما يعجز الصديق أو الحبيب عن البقاء في الصورة، تستجيب القصيدة لشخص يعاني من الوحدة، وتبدو الكتابة ملجأ إذ تولد القصيدة ببطء بعد رحلة الألم. وتبدو دعوة القراءة؛ دعوة لمجيء رفاق من القراء، يدخلون الكتاب، فداخل الكتاب كثيرون يهربون، للحصول على رفقة:

"لمَّا أحسْ بالوحدَة/ والعَالم مَخاصمْنِى/ أَدخل جوَّه دِيوانِى ..أعيش".

***

"ديوان قبل العتمة بمتر" هو تقريبًا ديوان العامية الرابع للشاعر مجدي عبدالرحيم، الذي يتميز باهتمامه في كتابته بالنص الإنساني، الذي يتحدث عن لوحات إنسانية، وقد أكمل المشوار في هذا العمل، وكانت الجمل بسيطة لتلائم ديوان الحياة اليومية ومعاناتها، لكن العمل بصفته رقما في مسار مجدي عبدالرحيم كان يمكن لتركيبة جملته أن تكون أقوى من ذلك، في مسار شعري من المفترض أن يتصاعد فيه أداؤه. كما أن التأثر ببعض الجمل المعتادة في الشعر يظهر لديه أحيانًا، مثل قوله:

"أوقَات بَحس .. إنِّك مَلاك .. طَاهر بَرئ وكِتير .. بحس إنِّى بَشر".

الأبرز فيما كتبه مجدي عبدالرحيم أنه يحكي عن ميلاد القصيدة، وعن شاعر ينتظرها بفارغ الصبر، وقد قرر لها أن تأتي في موعدها، وقد قرر ربما ألا يكتبها أبدًا، فلا شيء مؤكد:

"بس المواني /سراب"