إصلاح الضمير قبل الخطاب الديني

مشهد من أحد الأفلام المصرية القديمة (أبيض وأسود)، تصوير خارجي فجراً، قوة من جنود ومخبري القلم السياسي يقودهم ضابط شرطة برتبة بكباشي والجميع لا يرتدون الملابس الرسمية، يحطمون باب شقة بالدور الثاني في منزل متهالك بحي شعبي فقير.

يتداعى الباب بعد تطاير أجزاء منه في الهواء، ووسط حالة الهرج والمرج من أصحاب الشقة، ومع انتشار فوضوي متعمد من أفراد القوة المهاجمة، يتسلل بخفة مخبران يرتدي كل منهما جلباباً يعلوه بالطو قصير، ويتجهان إلى إحدى غرف الشقة المظلمة، ويحمل أحدهما آلة كاتبة والآخر يحمل صندوقاً كرتونياً مليئاً بمطبوعات.

يختفي المخبران في الغرفة لحظات ثم يعودان مهرولين ويؤديان التحية للضابط "تمام يا فندم" معلنان العثور على الآلة الكاتبة وبجوارها منشورات ضد الدولة، وهما الدليلان اللازمان لإلقاء القبض على الشاب المستهدف وسط صراخ وعويل وذهول والدته الأرملة وشقيقتيه وشقيقه الأصغر، الذين يرفعون صوتهم بالدعاء "حسبنا الله ونعم الوكيل" من فرط الظلم والقهر، فتلك الآلة الكاتبة لم تكن يوماً في بيتهم وبالتالي لم يكن هناك أية منشورات، ولكن هكذا كانت تسير الأمور، والخوف كل الخوف أن تعود.

هذه الواقعة، السينمائية ـ والأفلام مأخوذة غالباً من الواقع ـ إن كانت تُرتكب، فإنها تتناقض تماماً مع أي اتجاهات لبناء وطن حديث يتمتع فيه المواطن بالعزة والكرامة، ومن الضروري أن يدور همساً عن أسباب التساهل مع اختلاق القضايا واصطناع الأدلة وأثر ذلك على النسيج المجتمعي الوطني، وهل هي حالات فردية محدودة أم أنها ظاهرة تُمثل سياسة الدولة وأدواتها في تعاملها مع المعارضين، وإذا كانت كذلك، فمن الذي يضمن عدم امتداد أثرها السلبي إلى غيرهم؟

وبغض النظر عن مجافاة تلك التصرفات للقانون وانتهاكها لقواعده، فإنها تتعارض بشكلٍ تام وأساسي مع مكونات الضمير، وللذين يتجاهلون هذا الهاجس الإلهي الذاتي، أو يجهلون معناه، فالضمير أو الوجدان، هو قدرة الإنسان على التمييز بين الخطأ والصواب، أو بين ما هو حق وما هو باطل، وهو الذي يؤدي إلى الشعور بالندم عندما تتعارض الأفعال مع القيم الأخلاقية القويمة، والشعور بالاستقامة أو النزاهة عندما تتفق الأفعال مع تلك القيم.

ومع انتشار هذه التصرفات وتنوعها وزيادة وتيرتها، يُصبح في حُكم المؤكد أن فكرة الضمير في حد ذاتها قد تم تشويهها أو الاستغناء عنها، فنتج عن ذلك الاعتياد على الخطأ وعدم الخجل من ارتكابه، وسيادة الباطل واحترام نتائجه وأسبابه. لذا فمن غير المتصور تقدم أي أمة وازدهارها في حالة تشوه أو غياب ضميرها.

وهنا قد يتساءل البعض، هل يمكن للدين أن يكون بديلاً عن الضمير؟

الإجابة بالنفي، لماذا؟ لأن الضمير تركيبة أولية، أساسية التكوين، تسكن نفس الإنسان قبل أن يعرف الأديان، وقبل أن يُقرر اعتناق أياً منها، فالضمير بالتأكيد يسبق الدين، وهو عامل ضروري لنشأة العلاقة الروحية، ولذلك فهناك أمم كثيرة لا تعتنق أياً من الأديان السماوية، ولكنها نجحت في تسيير حياتها انطلاقاً من احترام قواعد التمييز بين الخير والشر، والحق والباطل، وما اعتناق الأديان إلا إشباعاً للجانب الروحي في الإنسان الذي يحتاج دوماً إلى الإيمان بالقوة العظمى وهي الخالق، وتلك فطرة إنسانية قديمة.

فإذا كان ضمير أي أمة، يقظاً، طاهراً، خالياً من التشوهات، استطاعت تلك الأمة، البناء والازدهار والاستمرار، حتى ولو لم تكن ممن يعتنقون الأديان، ذلك لأن الضمير هو العلاقة العلنية بين مكونات الوطن، وهي علاقة ذات الأثر المباشر الذي يُمكن قياس نتائجه وتقييمها، أما الدين، فهو العلاقة الروحية بين الإنسان وخالقه، وهي علاقة تتراكم فيها نتائج السلوك المتطابق مع تعاليم الدين، والمتناقض معه في نفس الوقت، والحكم لها أو عليها مؤجلاً ولا يُمكن أن يتنبأ به أحد، ولذلك فمن الصعب قياس الالتزام الديني، بينما يسهل قياس طهارة الضمير، ومن هنا حقيقة أهمية فكرة الضمير بمعناها الشامل المتكامل.

ولا أدري كيف غابت تلك الحقيقة عن أذهان الذين أطلقوا نداء إصلاح الخطاب الديني وتحديثه، وكيف لم يدركوا أن ما تعانيه الأمة من فساد أخلاقي رهيب، مرده وسببه ما أصاب الضمير من أمراض متعددة ليس للدين علاقة بها من قريب أو بعيد، ما يعني أنه مهما عدلنا أو بدلنا في المصطلحات الدينية، فلن يكون لذلك أي تأثير إيجابي على المواطنين الذين فقدوا ضميرهم أو أصابته الأمراض والتشوهات.

يا من تريدون الخير لهذا الوطن، ابحثوا عن الحلول العلمية الضرورية لإصلاح الضمير، فحين يتعافى ضمير الأمة، تتعافى معه جميع التصرفات، وفي مقدمتها العبادات.